حي السفارات…مزيج من الدبلوماسية والثقافة وفنون العمارة والبيئة

تحت عنوان (الصحراء والتخطيط والدبلوماسية .. الحياة والمعمار في الرياض)، صدر كتاباً يتناول حي السفارات في المدينة، وما يتمتع من مستويات متعددة من بيئة إنسانية وعمرانية وبيئية متجانسة، تلتقي في خدمة تشكيلة واسعة من البعثات الدبلوماسيةوالممثلياتالدولية والأجهزة الرسمية والأهلية المحلية.

الكتاب من إعداد: بيث ليدلو فرانكلين، وعبود طلعت عطية، واشتمل على مقدمة و10 فصول مصورّة، وصفت جوانب متعددة من نشأة الحي وعناصره ومكوناته، وما يتميز من استلهامه لروح العمارة المحلية التقليدية، وانسجامه مع البيئة الطبيعية التي تحيط به، وتجسيده لثقافات دول العالم المختلفة من خلال تنوع تصاميم مقار سفاراتها، وما يشهده الحي من أنشطة وفعاليات متعددة، تجعل منه مجتمعاً دولياً مصغراً ينبض بالحيوية والحياة.

وصف الكاتبان بيث ليدلو فرانكلين، وعبود طلعت عطية، حي السفارات في مقدمة الكتاب، بإحدى المنجزات التي شيدتها الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض في إحدى الهضاب غير المأهولة في أطراف مدينة الرياض قبل 25 عاماً، ليصبح الآن أحد أكثر مناطق المدينة جاذبية وحيوية بمايحويهمن سفارات ومدارس وحدائق وساحات عامة حازت العديد من الجوائز العالمية.

وتحت عنوان (الأصول) خصّص الفصل الأول من الكتاب، لمحة تاريخية عن نشأة حي السفارات أشار إلى أن مجلس الوزراء السعودي الموقر، اتخذ قراراً تاريخياً في العام 1395هـ (1975م) بنقل مقر وزارة الخارجية والبعثات الدبلوماسية من مدينة جدة إلى العاصمة الرياض، وتم تشكيل لجنة عليا للأشراف على هذه المهمة تحت رئاسة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع – عندما كان حينها أميراً لمنطقة الرياض، حيث كان سموّه، صاحب فكرة تأسيس وتطوير منطقة خاصة في العاصمة الرياض تحتضن البعثات الدبلوماسية، يتم إنشائها بصورة تعكس التراث الحضاري للمنطقة وللمملكة بأكمله.

ومن هنا انطلقت فكرة هذا المشروع الرائد، مشروع ما يعرف الآن بحي السفارات، الذي تأسس على أرض تبلغ مساحتها ثمانية كيلومتر مربع، على الطرف الشمالي الغربي لمدينة الرياض.

وفى الفصل الثاني الذى جاء تحت عنوان (مدينة الواحات)، يقول المؤلفان: “عندما تدلف لحي السفارات عبر مدخله الرئيس يستقبلك دوار شامخ، يرفع أعلاماً أكثر شموخاً هي أعلام بلد واحد فقط، المملكة العربية السعودية، وهذا تأكيد واضح أن حي السفارات، من حيث التصميم والهدف، هو أحد أحياء مدينة الرياض، وجزء لا يتجزأ من نسيجها التراثي والحضاري”.

“إنه ليس فقط مكاناً للسفارات والبعثات الدبلوماسية، بل نسيج عمراني وحضاري متنوع يضم المساجد والمنازل والمدارس والمكاتب الحكومية والأهلية والمعاهد الثقافية والمنشئات الترفيهية”.

ويصف المؤلفان في الفصل الثالث من الكتاب، شعورهما عندما يزوران الحي، قائلين: “أدخل حي السفارات وستشعر بكل حواسك بأنك في نموذج مصغّر للمملكة العربية السعودية، فستحيط بك أشجار النخيل الباسقة، وتشعر بالتراث المحلي ينبعث من جدران المباني والمآذن، كل هذا يذكرك أنك في قلب نجد. وهذا بالضبط ما سعىاليهالذين خططوا لهذا الحى منذ البدايات الأولى للتصميم، أي عندما كانوا يحاولون نقل تصوراتهم من العقلالىالورق، لإقامة مجتمع متصالح مع المعمار المحلي والتقاليد العمرانية العريقة، ولعل أوضح مظاهر المعمار الإسلامي التي استخدمت في هذا الحى، هي ما يعرف بـ (المشربيات) التي ظلت تعكس شخصية المعمار الإسلامي منذ القرون الوسطى”.

وفي الفصل الرابع يقول المؤلفان: “إذا وقفت أمام السفارة الهندية في حي السفارات، فستلاحظ أن المبنى عبارة عن قلعة بنيت بكاملها بحجر ولفور الزهري، وقد يتساءل الإنسان لماذا يتجشم شخص ما كل هذه المعاناة لينقل صخورا من مكان يقع على بعد آلاف الأميال ليشيد بها مبنى هو في الأصل يقوم على موقع يقف على أرض صخرية من نفس الحجر! حسناً، هذا تساؤل مشروع، غير أن الأمر هنا يختلف، فهذه ليست مجرد سفارات أو مقار دبلوماسية، إنها هنا لتعكس ثقافة شعوبها، إضافة إلى دورها الدبلوماسي.

“إنه عمران الدبلوماسية”، كما قالت جينلويفلر، “إنهم هنا يهدفون إلى أن يكون المبنى معبراً عن مكانة الدولة التي يمثلها”، وهذا الأمر ليس مقتصراً على السفارة الهندية دون غيرها، بل تجده في معظم السفارات الأخرى في الحي، ومن بينها السفارة اليابانية.

فإذا نظرت إلى ما وراء العمارة التقليدية، فإنك تجد أن بعض السفارات صممّت بطريقة تعكس الثقافة المعاصرة لدولها، إنها مبانِ تحتفى بالنهج الحديث والإبداع لتعكس دائما موهبة معماريها وخبرتهم.

وفي الفصول: الخامس، السادس والسابع، تحدث المؤلفان عن الألوان والضوء وانكساراته على المباني، والحدائق الغناّء التي يزخر بها الحي، وكيف أن هذه العناصر كلها احتشدت لتعطي حي السفارات شخصيته المميزة المنسجمة تماماً مع بيئته الطبيعية وسط هضبة صخرية صلبة.

غير أن المؤلفين، انبهرا بأشجار النخيل الباسقة التي امتلأت بها جنبات الحي، وقالا: “هناك أكثر من 10 آلاف شجرة نخيل تم غرسها في شوارع الحي، والنخلة ظلت دائما تشكل محوراً مركزياً في حياة السعوديين، فهي تعطي الطعام والظل والحماية والمأوى، وفى المعمار السعودي التقليدي استخدمت النخلة في أسقف البيوت، كما أنها تمثل شعار المملكة العربية السعودية، لذا ومنذ البداية، أدرك المصممون أن النخلة هي مصدر الإلهام المركزي في تشجير ساحات وحدائق الحي”.

ويمضى الكتاب قائلاً: “عملية تشجير الحى تنسجم وتتوحد مع التصميم المدني ونوعية الحياة، لذا فإن معظم حدائق حي السفارات لعبت دوراً بارزاً في التعبير عن ثقافة البلاد في الذي مارست فيه وظيفتها الأساسية، فهذه الحدائق، تتوحد وتنسجم مع المباني المحيطة بها لتصبح نسيجاً عمرانياً متجانساً، وفى بلاد لا تهطل الأمطار فيها إلا قليلاً، أصبحت الحدائق مكاناً مناسباً لإقامة الاحتفالات والمناسبات والاستقبالات والمناسبات الثقافية، وهى أيضا تتيح فرصة للشعوب ليعرض كل منهم جانبً آخر من تراثه الثقافي”.

أما عن الحياة داخل الحى فنوه الكتاب إلى روح التواصل الذي يربط بين قاطني الحي المنتمين إلى مختلف قارات العالم. ونقل الكاتبين عنبياكونيغسفيلدت، زوجة السفير الدنماركي، الذي سبق أن عمل في البرازيل سابقاً، قولها: “إننا نعيش في حي السفارات قريباً من بعضنا البعض، وهذا ساعدنا على إقامه علاقات صداقة حميمة مع جيران من مختلف أنحاء العالم، وجعلنا ندرك جيداً أننا جزء من مجتمع عالمي كبير”.

ويضيف الكتاب: بالرغم من أن البروتوكولات الرسمية تشكل جزءا بارزاً من الحياة الدبلوماسية،الاأن التواصل الحميم ساعد على إقامة علاقات أقل رسمية بين ممثلي البعثات الدبلوماسية.

ويختم الكاتبان حديثهما قائلين: حي السفارات يشكل نموذجاً بارزاً للتخطيط المدني، ولا يوجد مثيل له في أية بقعة أخرى من بقاع العالم، فالظروف الخاصة للمملكة التي أدت إلى نقل حي السفارات من جدةالىالرياض، قد لا تتكرر أبدا في أي مكان آخر في العالم، واذا أخذنا ظروف التنمية المعاصرة في الاعتبار، فانه قد يكون من المستحيل تقريبا، إنجاز مثل هذا المجتمع المتماسك.

وأضافا: “ربما يكون من أهم نتائج مشروع حي السفارات، هو كون اللجنة التي أشرفت على إنشاء الحي، هي نواة تأسيس (الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض) التي أسند إلى مهمة تطوير العاصمة الرياض من مدينة يسكنها 450 ألف نسمة فقط،الىمدينة العاصمة تأوي أكثر من خمسة ملايين نسمة حالياً، وهو الأمر الذي انعكس على الهيئة نفسها التي أصبحت جهازاً يضم خبرات بشرية متخصصة قادرة بعون الله، على مواجهة تحديات التنمية المدنية المتسارعة.

وقد ضم كتاب (الصحراء والتخطيط والدبلوماسية.. الحياة والمعمار في الرياض) مجموعة منتقاة من الصور المعبّرة لميادين وحدائق وشوارع ومباني ومقار ومنازل الحي، شكّل بعضها لوحات فنية إنسانية وعمرانية وطبيعية، وأعطت الحي شخصيته المميزة المستوحاة من التراث المحلي العريق لمدينة الرياض.

يشار إلى أن حي السفارات قد تأسس استجابة لقرار مجلس الوزراء عام 1395هـ بنقل وزارة الخارجية والبعثات الدبلوماسية من مدينة جدة إلى مدينة الرياض، وتولت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض (حينما كانت في مرحلة التأسيس) تجسيد هذا القرار على أرض الواقع، انطلاقاً من تحديد الموقع المناسب في المدينة، ومن ثم تطويره لإيواء السفارات والهيئات الإقليمية والدولية والمؤسسات والأجهزة ذات الصلة.

وبدأت الهيئة برنامج تطوير الحي، بوضع الخططالإستراتيجيةلإنشائه، ووضع السياسات العامة الهادفة إلى تطويره كحي نموذجي يستوعب السفارات والهيئات الدولية، ويشتمل على مرافق حضرية تقدم نموذجا ثقافيا وعمرانيا وبيئيا للعاصمة، ونموذجاً لعمران المناطق الصحراوية.

ويشكل حي السفارات، أكبر تجمع دولي في المملكة، ويستوعب العشرات من السفارات ومكاتب التمثيل، وما يزيد عن 32 ألف نسمة من السكان، فضلاَ عن العديد من المؤسسات والمنظمات والمراكز والمعاهد الإقليمية والعالمية، إلى جانب مقار عدد من المؤسسات الحكومية كالهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض والهيئة العامة للسياحة والآثار، ناهيك عن المرافق السكنية والتعليمية والصحية والبلدية والاجتماعية والترفيهية، وشبكة متكاملة من الطرق والحدائق والمرافق والخدمات العامة، في الوقت الذي يعكس فيه، جوانب ثقافية متعددة عبر احتضانه كل من “قصر الثقافة” و “قصر طويق” اللتين أنشأتهما الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض، ليكونا بمثابة محاضن للأنشطة الثقافية والمؤتمرات والندوات والمعارض المتخصصة والنشاطات الاجتماعية في المدينة.

ومنذ تأسيسه حتى الآن، حصد حي السفارات العديد من الجوائز العالمية المتخصصة، حيث فاز بـ (جائزة أغا خان العالمية للعمارة لعام 1409هـ – 1989م) ووصفت لجنة التحكيم في الجائزة الحي بقولها: “حي السفارات منطقة حكومية حديثة، شهدت عملية هندسة مناظر مكثّفة ومركزّة، تحتضن تجمعاً للعديد من السفارات والقنصليات ومختلف البنى ذات الصلة، إضافة إلى المناطق السكنية المخصّصة للمسئولين والدبلوماسيين، وساحة عامة، ومناطق مغلقة يتنزه فيها أهالي الرياض”.

ورأت لجنة التحكيم في الجائزة “أن منطقة الحي تضم ساحات عامة، ومناطق للنزهات المقيّدة بمواعيد محددة لسكان الرياض، وقد أخضعت الطريق السريع متعدد المسارات المحاذي لها من جهتي الجنوب والشرق، إلى عملية تصميم تخطيط مكثفة ومركزة”.

وخلصت لجنة تحكيم الجائزة، إلى “أن تصميم حي السفارات جاء ليكون نظامه البيئي قادراً على الاستدامة الذاتية، وذلك بزرع النباتات في المناطق الصحراوية المحيطة، لذا وجدت اللجنة، أن المشروع واقعي وخلاّق لتلاؤمه مع الطبيعة والبناء في مناطق حارة وجافة.”

كما فاز حي السفارات بـ (جائزة منظمة المدن العربية لعام 1410هـ – 1990م) في فرع الجوائز المعمارية، وسوّغت لجنة التحكيم فوز الحي بالجائزة “لـكونه أفضل مشروع معماري نفذ في مدينة عربية، بمستوى يعزز من جدوى العمارة العربية الإسلامية، وقيمتها في التطور والتنمية”.