الإنسان والثقافة والبيئة…(3) محاور توَّجت رؤية الهيئة التطويرية

لخصت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض مسيرتها التي امتدت لنحو 35 عاماً في تطوير مدينة الرياض من خلال ثلاثة محاور توّجت رؤيتها التطويرية، وهي: الثقافة، والناس، والبيئة. ومجسدتاً ذلك في جناحها في معرض الرياض للعقارات والتطوير العمراني في نسخته الحادية عشرة الذي أقيم خلال الفترة من 29 ربيع الآخر حتى الرابع من جمادى الأولى في مركز الرياض الدولي للمعارض، حيث استعرض الجناح جوانب من تجربتها في تطوير العاصمة، ابتداءً من دورها في رسم السياسات ورفع مستوى الخدمات والمرافق ذات الصلة بحياة المواطن وفرص معيشته، وصولاً إلى النواحي التخطيطية والعمرانية والاقتصادية والثقافية والبيئية والمعلوماتية كافة.

أبعاد شاملة للتطوير

جاء تأسيس الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض عام 1394 هـ لتحقيق إرادة المقام السامي الكريم في إيجاد سلطة عليا تتولى مسؤولية التطوير الشامل للمدينة، بأبعاده الحديثة في إدارة وتطوير المدن الكبرى، بحيث توفر لجميع الجهات العاملة في المدينة أرضية مشتركة، تنطلق منها جميع أعمال هذه الجهات في المدينة، بما يضمن زيادة فاعلية هذه الأعمال في تحقيق احتياجات المدينة، والتنسيق بينها، وسد الثغرات، ومعالجة السلبيات والقضايا الحرجة التي تتشعب أسبابها، ولا يستوعب نطاق مسؤولية جهة بعينها متطلبات علاجها.

وانطلاقاً من كونها المفكر والمنسق لجميع برامج التنمية في المدينة، امتدت تجربة الهيئة في النهوض بالعاصمة السعودية لتشمل أبعاد إدارة وتطوير المدن الشاملة كافة التي لا تقتصر على توفير احتياجات المدينة من المرافق العامة والخدمات فقط، بل تمتد لتشمل المجالات العمرانية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، وإدارة البيئة وحمايتها. تمارس الهيئة سلطتها من خلال عدد من محاور العمل الرامية إلى تحقيق هدفها في التطوير الشامل لمجالات الحياة في المدينة كافة.

فمهامها واختصاصاتها تتجاوز التخطيط الحضري الاستراتيجي، إلى تنفيذ البرامج التطويرية ذات الأهمية الخاصة، والإدارة الحضرية والتشغيل، والتنسيق والمتابعة، وإجراء الدراسات الأساسية عن المدينة، وتأسيس نظام المعلومات الحضرية لمدينة الرياض وإدارته، وتنفيذ المشاريع الإنشائية لجهات مختلفة في المدينة، وتنفيذ البرامج التطويرية ذات الطبيعة الخاصة.

ومن خلال مجموعة متنوّعة من المشاريع التطويرية المتكاملة التي قامت عليها الهيئة في مدينة الرياض؛ انطلقت مشاركة الهيئة في معرض الرياض للعقارات والتطوير العمراني لعرض تجربتها أمام الوفود الزائرة للمعرض من المسؤولين والمختصين في قطاعات التطوير والاستثمار العقاري والقطاعات ذات العالقة، والاستشاريين والمعماريين والمصمّمين وشركات التطوير، وفئات المجتمع كافة.

وقد جسد جناح الهيئة في معرض الرياض للعقارات والتطوير العمراني، عناصر رؤية الهيئة وتوجهها في أنشطتها كافة، والتي تنطلق من ثلاثة محاور رئيسية، هي:

  • التطوير من أجل الثقافة.
  • التطوير من أجل الناس.
  • التطوير من أجل البيئة.

الإنسان محور التطوير

جعلت الهيئة من الإنسان محور التطوير الأساسي في مسيرتها التطويرية، حيث تلمست أنشطتها احتياجات الناس من خلال دراسات ميدانية تحليلية، يجري إدراجها باهتمام ضمن مشاريعها التطويرية، سواء كانت هذه الاحتياجات تعبّدية أو تجارية أو ترفيهية أو غيرها، ولمختلف الأعمار والأعراق.

وهو ما انعكس إيجابياً على مشاريع الهيئة بأن صارت محل جذب للناس سواء كانوا أطفالاً أو كباراً، مواطنين أو وافدين بمختلف جنسياتهم وأعراقهم ودياناتهم، إذ وجدوا فيها البيئة الملائمة لاحتياجاتهم النفسية والاجتماعية والمادية.

روحانية جاذبة

وفي مزيج جميل يجسد التصور الإسلامي الذي يجمع – في تكامل – بين ما هو ديني وما هو دنيوي؛ احتوت مشاريع الهيئة مجالَيْ الحياة الدينية والدنيوية، واتجه التطوير لدى الهيئة إلى تدعيم هذا التزاوج، وهو ما أنتج معالم ذات روحانية وروح جاذبة، وابتعدت عن أن تكون مجرد مبانٍ جافة لا روح فيها ولا حياة حقيقية.

الحاجة إلى الترويح

كما كانت مشاريع الهيئة متضمنة حاجة الترويح الإنسانية التي لا ينفك عنها فرد ولا مجتمع، فهيّأت المجال لتحقيقها فيصور وهيئات مختلفة، ولكل الأعمار والأجناس. ومن دلالات النجاح في هذا الجانب الإقبال المتزايد على الفراغات الموجهة لهذا المجال.

وفي سبيل استيعاب جميع الناس بمختلف فئاتهم في أعمالها المختلفة، سعت الهيئة إلى أن تكون مشاريعها ملائمة للنساء والرجال والأطفال والكبار والمواطنين والمقيمين والزوار على حدٍّ سواء، فزيارة هذه الأماكن تدفع إلى تكرارها، لما يرى الرائي من تجمعات تكاملية بشرية يتسق معها مصطلح «المهرجانات العائلية».

تزاوج بين المعاصرة والتراث

عُدَّت الهيئة الثقافة المحلية رافداً مهماً في التطوير، لذا فهي تزاوج في مشاريعها ما بين المعاصرة والتراث من خلال دعمها لاستمرارية هذه الثقافة بأبعادها القيمية والسلوكية والمادية، في الوقت الذي تستوعب فيه الهيئة في أعمالها التطويرية معطيات العصر التقنية في مزيج متوازن بديع مع هذه الثقافة.

ووصولاً إلى جعل المشاريع ملائمة للأشخاص من الثقافات المختلفة، وفي الوقت نفسه جاذبة لهم لارتيادها واستعمالها؛ اتّسع اهتمام الهيئة بالبُعْد الثقافي لاستيعاب الثقافات الأخرى من خلال حرص الهيئة على أن تكون مشاريعها داعمة للحوار بين الثقافات المختلفة.

بُعْدٌ ماديٌ ومعنويٌ للثقافة

والتزماً منها بمبدأ استمرارية الثقافة في أعمالها التطويرية، أخذت هذه الاستمرارية صورتين متكاملتين، حيث تركز الصورة الأولى على الاهتمام بالبُعْد المادي في الثقافة المحلية الذي يتجسد في السعي إلى تصميم مبانٍ معاصرة تنتمي إلى المدنية بشكل عام، وإلى البيئة المحيطة بصورة خاصة، مع التركيز على الروح العامة للعمران بصورته المادية، وتجاوز فكرة النقل المباشر إلى عناصر العمارة التراثية.

وتركزت الصورة الثانية على البُعْد غير المادي في الثقافة المحلية الذي يتجسد في: القيم، والأعراف، والسلوك، ومظاهر الحياة الاجتماعية والتعبّدية المختلفة، إلى جانب إعطاء الفرصة في المشاريع التطويرية لاستمرارية هذا البُعْد من الثقافة – بصورتيه – وتعزيزه، مما يدعم الهوية ويضيف نكهة خاصة للحياة، فضلاً عن كونه داعماً لجودة الحياة.

التراث مصدر للإلهام

دعم البُعْد المادي للتراث اتخذ عدة صور من برامج الهيئة التطويرية، منها:

  • الحفاظ على التراث المادي سواءً كانت مبانٍ تراثية مفردة أو مستوطنات.
  • إعادة التأهيل لبعض هـذه المباني التراثية دعماً لاستمراريتها.
  • جعل هذا التراث مصدراً للإلهام في الأعمال التطويرية المعمارية والعمرانية المعاصرة، ومحاكاته بذكاء، إضافة إلى تطوير مفرداته، وإعادة توظيفها بصورة بديعة تبث الروح في هذا التراث وتحافظ على نموّه.

الحفاظ على القِيَم الثقافية

يرتبط هذا البُعْد بالإنسان مباشرة، كالقيم والعلاقات الاجتماعية والمظاهر السلوكية الجمعية الإيجابية، حيث تتلمس الهيئة هذا البُعْد لتحفز وجوده في تطويراتها.

ومن أبرز ما يجسد ذلك – على سبيل المثال -: الحفاظ والتدعيم للعلاقة الإيجابية المباشرة بين الحاكم والمحكوم، والذي انعكس في تطوير منطقة قصر الحكم، الذي توجه للحفاظ على مظاهر صلة الناس بالحاكم، وارتباط المسجد بالقصر.

كما أن الأعمال التطويرية المختلفة التي قامت بها الهيئة تهدف في مجملها إلى خلق بيئات تساعد على اللقاء بين الناس، وعلى ممارستهم أنشطتهم بصور جماعية.

وتمثل الاحتفالات ومظاهر الفلكلور الشعبي – الذي يجد له مكاناً رحباً في تطويرات الهيئة -صورة شديدة الوضوح لدعم استمرارية هذا البُعْد غير المادي من الثقافة.

التواصل والحوار الثقافي

دعمت الهيئة صوراً شتى للتلاقح الثقافي بين أفراد المجتمع، من خلال إيجاد أماكن جاذبة لكل من السياح والمواطنين والمقيمين، وهذا يخلق فرصاً مواتية للقاء بين الناس من مختلف الثقافات، وهذا بدوره يشجع ويدعم الحوار والتواصل الثقافي بينهم.

ويجد الناس من مختلف الثقافات في أعمال الهيئة أماكن لقضاء الوقت والعمل الإيجابي بجانب بعضهم بعضاً بصورة فريدة.

كما أن هذه الأماكن تملك من العطاءات المكانية ما يدعم التبادل الثقافي بين هؤلاء الناس، فلا يجدون فيها الغربة والوحشة، بل المتعة والبهجة، رغم أنها في أساسها مبنية على الثقافة العمرانية والمعمارية المحلية؛ فقد اعتمدت الهيئة في أعمالها على الاستعانة بمكاتب محلية وإقليمية ودولية، مماساهم في اللقاء الثقافي الإيجابي بين الخبراء، وتبادل الرُّؤى بينهم.

معالم سياحية جاذبة

يبنى التطوير المعماري والعمراني في مشاريع الهيئة على مستويات عالية من الجودة.

ولتحقيق ذلك اعتمدت الهيئة في إيجاد مشاريعها على المسابقات الفنية العالمية والإقليمية، وعلى التحكيم الداخلي والخارجي لهذه المشاريع، وهو ما ساهم في جذب خبرات دولية ومحلية متميّزة للمساهمة في مشروعات الهيئة التطويرية، مما منحها تميّزاً كسبت به جوائز محلية وعالمية.

هذه المشاريع المميزة أصبحت من ثم معالم سياحية جاذبة للسياح من مختلف البيئات والثقافات.

حماية البيئة الطبيعية

التزمت الهيئة في مسيرتها التطويرية مفردة الاهتمام بالبيئة الطبيعية من حيث حمايتها والمحافظة عليها، إلى جانب إعادة الحياة إليها وتعزيزها وتدعيمها.

كما سعت إلى تحسين البيئة العمرانية والتقليل من الآثار السلبية للأعمال التطويرية المختلفة على جودة الهواء أو الحياة البشرية أو النباتية أو الحيوانية أو الطبيعة بشكل عام.

إعادة الحياة بيئياً

أعدَّت الهيئة جملة من الدراسات والبرامج لحماية البيئة الطبيعية من التدمير والاعتداء على مقوماتها الفريدة. كما أوجدت مشاريع تهدف إلى إعادة الحياة لما تمَّ الاعتداء عليه، وبثّ الروح فيه من جديد.

وقد نهجت الهيئة مبدأ تعزيز الطبيعة، من خلال إدخال الخصائص الطبيعية ضمن موجهات التطوير، واتخاذ محدد رئيس لتوجه ولطبيعة المشاريع، حيث نالت الدراسات البيئية نصيباً وافراً من مجمل دراسات الهيئة.

كما استثمرت هذه الدراسات في مشاريع تنسيق المواقع والتطويرات العمرانية المختلفة لتنتج مشاريع متوائمة ومتكاملة مع الطبيعة والحياة النباتية المحلية.