مخطط الرياض الاستراتيجي… تحديث للذات ومواكبة للمستجدات

بهدف تقويم ومراجعة البرامج والمشاريع التنفيذية في المخطط الاستراتيجي الشامل لمدينة الرياض؛ تنفذ الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض حالياً برنامجاً لتحديث المخطط الذي وضعته للمدينة؛ لمراعاة مستجدات التنمية والتوقعات السكانية والاقتصادية وانعكاسها على الخطط الموضوعة، إلى جانب تحديد المتطلبات من الاستعمالات والأنشطة المختلفة والبرامج التنفيذية اللازمة للتنمية المستقبلية لمدينة الرياض.

ضمن برنامجها لتحديث المخطط الاستراتيجي الشامل لمدينة الرياض الذي سبق أن أقرته في عام 1424 ه؛ عقدت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض ورشتي عمل لتحديث المخطط الذي انطلق برنامجه التنفيذي على اعتباره الإطار التنظيمي والتخطيطي والتنفيذي للجهات العاملة في المدينة، وأداة لتنظيم العمل المشترك، والتخطيط للمستقبل، وموجهاً لتوفير الخدمات لساكني المدينة، والرفع من مستوى العيش فيها.

وبمشاركة أكثر من 70 عضواً من أعضاء اللجنة الفنية المشكلة لمتابعة وتنسيق أعمال التحديث من قبل الجهات ذات العلاقة، وعدد من الأكاديميين، وممثلين من القطاع الخاص؛ عقدت الهيئة أخيراً ورشة العمل الثانية لتحديث المخطط، لتتضمن عدداً من العروض من قبل فريق العمل عن المخطط حول ما تحقق منه وما يزال قيد التنفيذ وما هو في طور التخطيط والدراسات.

وخلال الورشة جرى عرض التحديات المستقبلية التي تواجه المدينة، واستعراض السياسات المقترحة في القطاعات التخطيطية المختلفة، وشملت: الإدارة الحضرية، والمخطط الهيكلي، وضوابط التطوير لمشاريع التطوير الشامل، والنقل، والمرافق العامة، والبيئة والمناطق المفتوحة، والتنمية الاجتماعية.

أداة للتقييم

ومن بين أهم المكتسبات التي حققتها مدينة الرياض من نواتج المخطط الاستراتيجي الشامل؛ تشكيله أرضية مشتركة للجهات العاملة في المدينة التخطيطية منها والتنفيذية، وتأطيره للعمل وتوحيده للجهود وتوظيفها التوظيف الأمثل، إلى جانب كون المخطط أصبح بمنزلة أداة لقيادة المدينة لتقييم ما تحقق، وما هو مطلوب في حاضر المدينة ومستقبلها، ويضع الآليات والمتطلبات التي تتحقق من خلالها هذه البرامج، فهو بمنزلة أداة لقياس المتطلبات والنواتج.

وينطلق مشروع تحديث المخطط الاستراتيجي الشامل لمدينة الرياض لتقويم ما أنجز من مشاريع ضمن المخطط في ضوء المستجدات التي طرأت على المدينة، سواء كان ذلك فيما يتعلق بتركيبة السكان، أو في الجوانب الاقتصادية والخدماتية، للخروج بنظرة جديدة للمخطط، وهو ما يؤكد أن المخطط غير جامد بل متجدد ومواكب للمتغيرات، ويتمتع بمرونة عالية ويتفاعل مع الظروف المتغيرة في المدينة، ويؤطر عمل سكانها وحياتهم نحو الأفضل بمشيئة الله.

مراجعة للسياسات

وتعمل الهيئة على الاستفادة من نتائج ورش العمل والنقاشات التي تجريها حول المخطط مع كل من ممثلي الوزارات والأمانات والأجهزة الخدمية في المدينة والأكاديميين والمهتمين بقضايا التخطيط وفريق العمل لدى الهيئة والخبراء، من خلال تبادل النقاشات حول القضايا الاستراتيجية التي تواجه مدينة الرياض خلال السنوات العشرين القادمة، ومراجعة السياسات والخطط المعتمدة من قبل الهيئة ضمن نواتج المخطط، وإيضاح ما تم تنفيذه من تلك السياسات، والإنجازات التي تحققت، والعوائق التي حالت دون تحقيق بعض أهداف المخطط وبرامجه، فضلاً عن الصعوبات التي واجهت المرحلة التنفيذية للمخطط، وسبل معالجتها، إلى جانب بحث المستجدات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وانعكاساتها على الخطط الموضوعة لتنمية المدينة، وتحديد القضايا الاستراتيجية والتحديات التي ينبغي التصدي لها ومعالجتها أثناء عملية التحديث.

معدل النمو السكاني

ومن بين أبرز القضايا المستجدة والتغيرات التي طرأت على المدينة بعد الانتهاء من وضع المخطط، والتي سيجري مراعاتها في مشروع تجديد المخطط: انخفاض معدل النمو السكاني، من خلال التوجه نحو تقليل الهجرة بـإحداث هجرة معاكسة للمدن الأخرى في المنطقة عبر برامج عمل تتماشى مع توجهات كل من «الاستراتيجية العمرانية الوطنية» للمملكة و«المخطط الاستراتيجي الإقليمي لمنطقة الرياض» حيث من المؤمل أن تشهد الرياض خلال السنوات المقبلة هجرة معاكسة إلى مراكز النمو في المنطقة، بعد توفير مسببات الهجرة إلى مدينة الرياض في تلك المراكز.

تصاعد النمو الاقتصادي

كما يستعرض مشروع التحديث تصاعد النمو الاقتصادي في المدينة، وازدهار الاستثمارات الحكومية فيها، إضافة إلى تطوير النظم البلدية والتغيرات السياسية المتمثلة في ظهور المجالس البلدية، وتعزيز المشاركة المجتمعية، والاتجاه نحو استخدام مفهوم التطوير الشامل للأحياء السكنية.

ومن بين التغيرات التي طرأت على المدينة خلال الأعوام الأربعة الماضية: زيادة الطلب على المباني المرتفعة، وتسارع أنشطة تعزيز البيئة الإنسانية في المدينة، وزيادة تأثير ملكية الأراضي على أنشطة التطوير.

وعلى ضوء ذلك تتلخص منهجية العمل في مشروع تحديث المخطط الاستراتيجي الشامل، في الاستفادة من التجربة الأولى في وضع المخطط، مع تقليص السلبيات والاستفادة من الأفكار الجديدة، والمراجعة المركزة لأهم مخرجات المخطط، ومن المتوقع انتهاء أعمال مشروع التحديث خلال النصف الأول من العام الحالي.

قاعدة تخطيطية استراتيجية

وفي ظل مسؤوليات الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض نحو التخطيط والتطوير الشامل للعاصمة؛ أقرت إعداد المخطط الاستراتيجي الشامل لمدينة الرياض الذي يعد بمنزلة قاعدة تخطيطية استراتيجية تستوعب جميع العوامل المؤثرة في نمو المدينة، ضمن إطار استراتيجي تكاملي بعيد المدى، وقد نتج عنه رؤية للمدينة للأعوام الخمسين المقبلة، وإطار استراتيجي يتكون من خطط وسياسات للتنمية للأعوام الخمسة والعشرين المقبلة، وبرنامج تنفيذي لسنوات عشر يشتمل على 58 برنامجاً تنفيذياً ذا طبيعة استراتيجية في مجالات تنموية محددة، وتتولى تنفيذها الهيئة بالتعاون مع بقية الجهات العاملة في المدينة؛ كل حسب تخصصه.

مبادئ عمل رئيسية

وقد استندت الهيئة في إعدادها للمخطط إلى مجموعة من المبادئ الرئيسية، من أهمها: جمع المعلومات الحديثة والدقيقة والمتجددة التي تغطي قطاعات المدينة كافة، وقد تحقق ذلك من خلال تأسيس نظام للمعلومات الحضرية يوفر معلومات شاملة موحدة المقاييس لكل ظواهر المدينة ومكوناتها، ويجري تحديثه باستمرار، فالمعلومات الموحدة تُشكل أساساً لصنع القرارات موحدة الرؤية، والخطط التنفيذية المشتركة.

كما استندت الهيئة في أعمالها إلى احتضان العناصر الوطنية المؤهلة، وصقلها بالتدريب والتأهيل المستمر، والذي يأخذ أساليب متعددة من أهمها: التدريب على رأس العمل الذي يتحقق من خلال المشاركة الفاعلة والموجهة والمتدرجة في البرامج والمشاريع المختلفة، بالإضافة إلى التدريب المبرمج بالترتيب مع نخبة من الجامعات ومراكز العمل في الولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا وأوروبا، وزيارات العمل التي تشمل الشركاء الاستراتيجيون في أنحاء العالم.

كما عملت الهيئة على الاستفادة من بيوت الخبرة المحلية والعالمية التي سبق لها ممارسة التخطيط الاستراتيجي والاطلاع على نماذج مختارة من خبرات بعض المدن العالمية في مجال التخطيط الاستراتيجي، والاستفادة من التقنيات المستخدمة في هذه المدن في مختلف القطاعات، ونقل التجارب والأفكار الناجحة لمدينة الرياض بما يتلاءم مع احتياجات المدينة، ويتناسب مع بيئاتها الاجتماعية والطبيعية والاقتصادية.

مشاركة في القرار

كما برهنت الهيئة على مفهومها في توسيع دائرة المشاركة في القرار بوصف ذلك أحد أركانمنهجيتهافي العمل، بعدِّها جميع الأجهزة العاملة في المدينة «شركاء عمل» في مسؤولية تضامنية عن تطوير المدينة، وجعلها من النظرة تجاه الأعمال التخطيطية والميدانية كافة مع هؤلاء الشركاء تكاملية في جميع مستويات عمل الهيئة ومهامها التكاملية في منظومة عمل الهيئة، فقد عقدت الهيئة خلال مراحل إعداد المخطط العديد من حلقات النقاش وورش العمل التي جرى خلالها تقويم الأداء وسير العمل في كل مرحلة من مراحل العمل، وتبادل الأفكار والآراء حولها، ويجري في هذه الحلقات والورش دعوة عدد كبير من المختصين في المجالات المهنية المختلفة من الجهات الحكومية والقطاع الخاص وبعض فئات المجتمع والأكاديميين والمهنيين المختصين من داخل المملكة وخارجها، وكان لهذه الحلقات أثر إيجابي ومردود مميز تمثّل في الحضور الكبير من المشاركين.

مشاركة السكان

كما التزمت الهيئة بتفعيل مشاركة سكان المدينة في العملية التخطيطية لمدينتهم في مختلف مراحل العملية، وذلك من خلال عقد حلقات نقاش وورش عمل يجري خلالها تقويم كل مرحلة من مراحل العمل في المخططات، وتبادل الأفكار والآراء حولها.

وتتم في هذه الحلقات والورش دعوة عدد كبير من المختصين في المجالات المهنية المختلفة من الجهات الحكومية والقطاع الخاص وبعض فئات المجتمع، والأكاديميين والمهنيين المختصين من داخل المملكة وخارجها، وكان لهذه الحلقات أثر إيجابي تمثل في الحضور الكبير من المشاركين والذي بلغ نحو 150 مشاركاً في كل حلقة.

وتتجسد صور أخرى من المشاركة المجتمعية في عمليات التخطيط التي تقوم عليها الهيئة، في تشكيل لجان متابعة وتنسيق على مستويات مختلفة تمثل جميع الجهات ذات العلاقة في المدينة، وهو ما عمق من مفهوم التكامل فيما بين الهيئة والجهات الأخرى العاملة في المدينة، بما يتجاوز مجرَّد تبادل المعلومات والتنسيق الزمني والمكاني بين الأعمال والأنشطة والمشاريع، إلى العمل وفق رؤية موحدة وخطة عمل شاملة، تُحدِّد أدوار الجميع وتسهم في ترشيد جهدهم وزيادة كفاءة أعمالهم.

وفي بداية انطلاق مشروع المخطط الاستراتيجي الشامل لمدينة الرياض اختارت الهيئة تولي قيادة مشروع إعداد المخطط بالاستعانة بالمختصين السعوديين من فريق الهيئة، مع دعمهم بالخبرات اللازمة من داخل المملكة وخارجها في جوانب معينة ومحددة، لتكون نسبة قيادة فريق الهيئة للمشروع تصاعدية بشكل مستمر، حتى تصل إلى المرحلة الأخيرة من المشروع، ليتولى فريق الهيئة السعودي إدارة دفة العمل بشكل كلي، وهو ما تحقق بالفعل بفضل الله.

جيل مهني ممارس

وإضافة إلى نواتج المخطط الاستراتيجي لمدينة الرياض المتمثلة في كل من الرؤية المستقبلية للمدينة للأعوام الخمسين المقبلة، والإطار الاستراتيجي الذي يتكون من خطط وسياسات للتنمية للأعوام الخمسة والعشرين المقبلة، والبرنامج التنفيذي لسنوات عشر والذي يشتمل على 58 برنامجاً تنفيذياً ذا طبيعة استراتيجية في مجالات تنموية محددة، تتولى تنفيذها الهيئة بالتعاون مع بقية الجهات العاملة في المدينة كل حسب تخصصه؛ فإن المخطط ساهم في إيجاد جيل مهني ممارس من العناصر السعودية في مجال التخطيط الاستراتيجي، حيث يندر قبل وضع «مخطط الرياض الاستراتيجي» مشاركة مخططين سعوديين في عملية تخطيط استراتيجية كبرى مماثلة لـ«مخطط الرياض».

وقد كان المخطط الاستراتيجي بمنزلة تجربة جديدة وإضافة كبيرة للخبرات المحلية في مجال التخطيط ساهم في تحقيقها – بعد عون المولى عز وجل – الإصرار والحافز القوي لتحقيق الإنجازات لدى المشاركين في إعداد هذا المخطط، والذي بادلهم بتقديم الكثير من المكتسبات العلمية والتدريبية والتطبيقية المتراكمة.

كما أن تجربة الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض في وضعها للمخطط يمكن أن تكون مثالاً يحتذى في مجال التخطيط الحضري سواء كان ذلك على مستوى المملكة أو خارجها، وبشكل خاص بعد الاتجاه لدى بعض مناطق المملكة الأخرى نحو خوض غمار تجربة التخطيط الاستراتيجي، ووضع مخططات استراتيجية شاملة لها مماثلة لمخطط الرياض الاستراتيجي.