الإنسان والثقافة والبيئة.. محاور رسالة الهيئة التطويرية

جسدت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض شعار «التطوير من أجل الحياة» خلال مشاركتها في معرض الرياض الثاني عشر للعقارات والتطوير العمراني الذي أقيم خلال الفترة من 9 إلى 12 ربيع الثاني 1430 هـ في مركز المعارض الدولي بالرياض.فمن خلال مشاركتها في المعرض عرضت الهيئة جوانب من مسيرتها التطويرية التي امتدت لأكثر من 36 عاماً، ناشرة عبر هذه المشاركة رسالتها ورؤيتها وتوجهها التطويري لمستقبل المدينة، وذلك من خلال المحاور الثلاثة التي تمثل منطلقات الهيئة في رؤيتها التطويرية، وهي: الإنسان، والثقافة، والبيئة.

عرضت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض في جناحها الذي احتضنه مركز المعارض الدولي في الرياض تجربتها في النهوض بالعاصمة السعودية، والتي امتدت إلى جانب دورها في رسم السياسات ووضع الإجراءات الرامية إلى رفع مستوى الخدمات والمرافق ذات الصلة بحياة المواطن وفرص معيشته الرغدة، إلى النواحي التخطيطية والعمرانية والاقتصادية والثقافية والبيئية والمعلوماتية كافة. فالهيئة تعد المفكر والمنسق لجميع برامج التنمية في مدينة الرياض.

فقد استعرض المعرض تجربة الهيئة في مجال التطوير من خلال مجموعة متنوعة من المشاريع التطويرية المتكاملة التي نفذتها في مدينة الرياض، والتي تتمحور حول التطوير من أجل الإنسان والثقافة والبيئة.

الإنسان محور التطوير

التزمت الهيئة في مسيرتها التطويرية بالاهتمام بمحور التطوير الأساسي لها وهو الإنسان، فأنشطة الهيئة التطويرية تتلمس احتياجات الناس من خلال دراسات ميدانية تحليلية، ومن ثم إدراجها باهتمام ضمن مشاريعها التطويرية سواء كانت هذه الاحتياجات تعبدية أو تجارية أو ترفيهية أو غيرها، ولمختلف الأعمار والأعراق.

لذا فليس غريباً أن تجذب مشاريع الهيئة الناس سواء كانوا أطفالاً أو كباراً، مواطنين أو وافدين بمختلف جنسياتهم وأعراقهم ودياناتهم، وأن يجدوا فيها البيئة الملائمة لاحتياجاتهم النفسية والاجتماعية والمادية.

فقد احتوت مشاريع الهيئة على مجالي الحياة الدينية والدنيوية، في مزيج جميل يجسد التصور الإسلامي الذي يجمع في تكامل بين ما هو ديني وما هو دنيوي، لذا اتجه التطوير لدى الهيئة إلى تجسيد هذا التكامل، وهو ما أنتج معالم ذات روحانية وروح جاذبة.

ولكون الترفيه حاجة إنسانية لا ينفك عنها فرد ولا مجتمع، فقد كانت مشاريع الهيئة متضمنة لهذه الحاجة، ومهيأة المجال لتحقيقها فيصور وهيئات مختلفة، ولكل الأعمار والأجناس. ومن دلالات النجاح في هذا الجانب الإقبال المتزايد على الفراغات الموجهة لهذا المجال.

كما سعت الهيئة في أعمالها المختلفة إلى استيعاب جميع الناس لتكون هذه الأماكن ملائمة للنساء والرجال والأطفال والكبار والمواطنين والمقيمين والزوار على حد سواء. فزيارة هذه الأماكن تدفع إلى تكرارها لما يرى الرائي من تجمعات تكاملية بشرية يتسق معها مصطلح (المهرجانات العائلية).

التطوير من أجل الثقافة

الأمر كذلك بـشأن التطوير من أجل الثقافة، فقد التزمت الهيئة في مسيرتها التطويرية بالحفاظ على الثقافة المحلية وتدعيمها، واعتبارها رافداً مهماً في التطوير، لذا فهي تزاوج في مشاريعها ما بين المعاصرة والتراث من خلال دعمها لاستمرارية هذه الثقافة بأبعادها القيمية والسلوكية والمادية، في الوقت الذي تستوعب فيه في أعمالها التطويرية معطيات العصر التقنية في مزيج متوازن بديع مع هذه الثقافة.

ويتسع الاهتمام بالبعد الثقافي لاستيعاب الثقافات الأخرى من خلال حرص الهيئة على أن تكون مشاريعها داعمة للحوار بين الثقافات المختلفة، وهذا يعني توجيه هذه المشاريع لتكون ملائمة للأشخاص من الثقافات المختلفة، وفي الوقت نفسه جاذبة لهم لارتيادها واستعمالها.

فهذه الهيئة تلتزم في أعمالها بمبدأ استمرارية الثقافة، وتأخذ هذه الاستمرارية صورتين متكاملتين. حيث تركز الصورة الأولى على الاهتمام بالبعد المادي في الثقافة المحلية، والذي يتجسد في السعي لتصميم مبان معاصرة تنتمي إلى المدينة بشكل عام، وإلى البيئة المحيطة بصورة خاصة، مع التركيز على الروح العامة للعمران بصورته المادية، وتجاوز فكرة النقل المباشر لعناصر العمارة التراثية.

أما الصورة الثانية فتركز على البعد غير المادي في الثقافة المحلية، والذي يتجسد في القيم، والأعراف، والسلوك، ومظاهر الحياة الاجتماعية المختلفة.

إلى جانب إعطاء الفرصة في المشاريع التطويرية لاستمرارية هذا البعد من الثقافة- بصورتيه- وتعزيزه، وهو ما يدعم الهوية ويضيف نكهة خاصة للحياة، فضلاً على كونه داعماً لجودة الحياة.

البعد المادي للتراث الثقافي أحد أشكال التزام الهيئة بالثقافة بوصفها محوراً أساسياً في التطوير، فهذه الهيئة تسعى دائماً إلى العمل على دعم هذا البعد عبر تغذية ثلاثة جوانب في التطوير، وهي: الحفاظ على التراث المادي سواء كان مباني تراثية مفردة أو مستوطنات، وإعادة التأهيل إلى بعض هذه المباني التراثية دعماً لاستمراريتها. وأخيراً جعل هذا التراث مصدراً للإلهام في الأعمال التطويرية المعمارية والعمرانية المعاصرة، ومحاكاته بذكاء، إضافة إلى تطوير مفرداته، وإعادة توظيفها بصورة بديعة تبث الروح في هذا التراث وتحافظ على نموه.

أما البعد غير المادي للتراث الثقافي، والذي يُعنى بما يرتبط بالإنسان مباشرة، كالقيم والعلاقات الاجتماعية والمظاهر السلوكية الجماعية الإيجابية، فقد تلمست الهيئة هذا البعد لتحفز وجوده في أعمالها التطويرية، ومن أبرز ما يجسد ذلك على سبيل المثال: الحفاظ والتدعيم للعلاقة الإيجابية المباشرة بين الحاكم والمحكوم، والذي انعكس في تطوير منطقة قصر الحكم، والذي توجه للحفاظ على مظاهر صلة الناس بالحاكم، وارتباط المسجد بالقصر.

كما أن الأعمال التطويرية المختلفة التي قامت بها الهيئة تهدف في مجملها إلى إيجاد بيئات تساعد على اللقاء بين الناس وعلى ممارستهم أنشطتهم بصور جماعية.

وتمثل الاحتفالات ومظاهر الفلكلور الشعبي التي تجد لها مكاناً رحباً في أعمال الهيئة صورة شديدة الوضوح لدعم استمرارية هذا البعد غير المادي من الثقافة.

وفي الإطار ذاته تسعى الهيئة في أعمالها التطويرية إلى دعم التلاقح الثقافي من خلال إيجاد أماكن جاذبة للسياح وللمقيمين، وبالقوة نفسها التي تكون هي ذاتها جاذبة للمواطنين، وهذا يوجد فرصاً مواتية للقاء بين الناس من مختلف الثقافات، وهذا بدوره يشجع ويدعم الحوار والتواصل الثقافي بينهم.

كما يجد الناس من مختلف الثقافات في أعمال الهيئة أماكن لقضاء الوقت والعمل الإيجابي بعضهم بجانب بعض بصورة فريدة، كما أن هذه الأماكن تملك من العطاءات المكانية ما يدعم التلاقح الثقافي بين هؤلاء الناس فلا يجدون فيها الغربة والوحشة، بل المتعة والبهجة، رغم أنها في أساسها مبنية على الثقافة العمرانية والمعمارية المحلية. فقد اعتمدت الهيئة في أعمالها على الاستعانة بمكاتب محلية وإقليمية ودولية؛ وهو ما ساهم في اللقاء الثقافي الإيجابي بين الخبراء، وتبادل الرؤى بينهم.

ويبنى التطوير المعماري والعمراني في مشاريع الهيئة على مستويات عالية من الجودة، ولتحقيق ذلك اعتمدت الهيئة في إيجاد مشاريعها على المسابقات الفنية العالمية والإقليمية، وعلى التحكيم الداخلي والخارجي لهذه المشاريع، وهو ماساهم في جذب خبرات دولية ومحلية متميزة للمساهمة في مشروعات الهيئة التطويرية، وهو ما منحها تميزاً كسبت به جوائز محلية وعالمية. هذه المشاريع المميزة أصبحت- منثم – معالم سياحية جاذبة للسياح من مختلف البيئات والثقافات.

إعادة الحياة إلى البيئة

أما التطوير من أجل البيئة فقد التزمت الهيئة في مسيرتها التطويرية بالاهتمام بالبيئة الطبيعية من حيث حمايتها والمحافظة عليها، إلى جانب إعادة الحياة إليها وتعزيزها وتدعيمها، كما التزمت بتحسين البيئة العمرانية والتقليل من الآثار السلبية للأعمال التطويرية المختلفة على جودة الهواء أو الحياة البشرية أو النباتية أو الحيوانية أو الطبيعة بشكل عام.

وفيما يتعلق بحماية البيئة وإعادة التأهيل فقد أعدت الهيئة دراسات وبرامج لحماية البيئة الطبيعية من التدمير والاعتداء على مقوماتها الفريدة، كما أوجدت بعض المشاريع التي تهدف إلى إعادة تأهيل لما تم الاعتداء عليه، وتهيئته لدوره البيئي الطبيعي.

وفي مجال تعزيز البيئة فقد نهجت الهيئة مبدأ تعزيز الطبيعة من خلال إدخال الخصائص الطبيعية ضمن موجهات التطوير، واتخاذ محدد رئيس لطبيعة المشاريع وتوجهها حيث نالت الدراسات البيئية نصيباً وافراً من مجمل دراسات الهيئة، كما استثمرت هذه الدراسات في مشاريع تنسيق المواقع والتطويرات العمرانية المختلفة لتنتج مشاريع متوائمة مع الطبيعة والحياة النباتية المحلية ومتكاملة معها.