اقتصاد الرياض.. نمو بثبات وإدارة راشدة تثمر جدوى دائمة

مكانة اقتصادية مرموقةتبوأتهامدينة الرياض، جعلتها قاعدة مميزة لأنماط شتى من التطوير الاقتصادي، حتى لم يعد هناك نشاط اقتصادي إيجابي حديث وليس له حضور في هذه المدينة المتعددة الأوجه الاقتصادية.صورة هذه المكانة وما احتوته من تفاصيل استعرضتها الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض خلال مشاركتها في فعاليات معرض ومؤتمر الاستثمارات العقارية الثاني الذي عقد في الرياض خلال الفترة من 21 إلى 22 ذو القعدة الماضي، بهدف إعطاء صورة واضحة للمستثمرين العرب والأجانب عن الفرص الاستثمارية المتوفرة في المدينة والمنطقة، وما تحتضنه من خطط وبرامج ومشاريع تنموية واقتصادية متنوعة.

تشهد مدينة الرياض حراكاً اقتصادياً كبيراً، يمتاز: بتنوع مجالاته، وضخامة استثماراته، وخصائصه الاستراتيجية، وليس أدلّ على ذلك ممّا يجري تنفيذه حالياً على أرض منطقة الرياض عموماً من مشاريع تنموية واقتصادية متنوعة تقارب تكاليفها الإجمالية 300 مليار ريال، تتضمن مشاريع في البنى التحتية، والمؤسسات الخْدمية، والتعليم العام، والتعليم العالي، والخدمَات الطبية، والإسكان، فضلاً عن الفرص الاستثمارية المنبثقة من هذه المشاريع الاستراتيجية، وما سيتمخض عنها من مشاريع خاصة.

جدوى اقتصادية دائمة

فعلى مدى العقود الماضية، احتفظت مدينة الرياض بوتيرة نمو اقتصادية متصاعدة على الدوام، تسير بهدوء، لكن بثبات، حيث استطاعت بحمد الله تجاوز الأزمات، وتوظيف الفرص السانحة، بعد أن هيأ الله لها أسباباً، وجعل لها مقومات، وأحاطها بسياسة حكيمة، وإدارة راشدة، وأمدها بموارد ضخمة، وإمكانات متنوعة، جعلت اقتصادها يعيش حالة من الجدوى الدائمة.

الداعم الأكبر لاقتصاد المدينة بعد الله عز وجل، يتمثلفي ماتقوم به الدولة من مشاريع تنمية حضرية عامة، سواءً في مشاريع البنى التحتية، أو المرافق الخدمية، والمؤسسات العامة، أو الخدمات التعليمية بمختلف مستوياتها، أو الخدمات الصحية بتنوع تخصصاتها، وبما تقدمه من خدمات ميسرة منخفضة الكُلفة، وبما تستوعبه من كوادر لتشغيلها، وبما تُنفقه على تأسيسها، وإنشائها، ومن ثم تشغيلها وصيانتها، وتطويرها، وبما يتولد عنها من مشاريع مساندة، واستثمارات متعددة.

موقع استراتيجي

إلى جانب ما تمتاز به الرياض من موقع استراتيجي، يتوسط مختلف مناطق إنتاج الطاقة، والإنتاج الزراعي، والصناعي، وتجارة الخدمات، تربطها بكل هذه المناطق وسائل مواصلات، واتصالات حديثة.

هذه المكانة الاستراتيجية ستتأكد بإذن الله بعد اكتمال مشاريع السكك الحديدية الإقليمية، التي تربط شرق المملكة بغربها، وشمالها بجنوبها، مروراً بمدينة الرياض.

والرياض تتمتع بموارد طبيعية، تمتاز بالوفرة، وانخفاض كلفة: الإنتاج، والنقل، والمعالجة، سواء في الأراضي المناسبة لمختلف أنماط النشاط العمراني الإسكاني، والمتعدد الاستعمالات، أو في المواد الخام لصناعة البناء، والصناعات التعدينية، والصناعات التحويلية، أو في موارد الطاقة.

كما يجري استكمال الاحتياجات المستقبلية للمدينة في الموارد الأساسية، عبر مشاريع استراتيجية عملاقة، في مجال تحليه المياه، عبر محطة رأس الزور، على ساحل الخليج العربي، التي يجري العمل عليها حالياً، ممّا يوفّر للمدينة بإذن الله ضعف ما تستهلكه حالياً من مياه الشرب.

وفي مجال الطاقة الكهربائية، يجري العمل على تأسيس محطة توليد الطاقة الكهربائية العاشرة، بتمويل استثماري يقوده القطاع الخاص المحلي، والأجنبي، ستضيف إلى طاقة المدينة تقريباً – نصف ما تستهلكه حالياً.

ومن جانبهم، يحوَل سكان المدينة بدخلهم المرتفع نسبياً، وإنفاقهم العالي، وتأهيلهم المتقدم، التحديات المستقبلية في المدينة، إلى فرص استثمارية مجدية في كل من مجالات الإسكان، والتعليم العام، والعالي، والخدمات الصحية، والتأمين، وتجارة التجزئة، والسياحة، والترويح.

نمو اقتصادي مخطط

وعلى صعيد المؤشرات المستقبلية للمدينة، فإن هذه المؤشرات تقوم على أسس معلوماتية، تمتاز بالشمول لجميع العوامل المؤثرة في التنمية وتمتاز ببعد المدى الذي تغطيه.

فاستناداً إلى هذه المؤشرات، أنِجز “المخطط الاستراتيجي الشامل لمدينة الرياض”، الذي يمثل الوثيقة المرجعية الموجِهة لأعمال جميع الجهات العامة في المدينة، ومنها الجهات المعنية بالتنمية الاقتصادية: تنظيماً، وإدارة، واستثماراً، للسنوات الخمس والعشرين القادمة.

لقد شكّل الجانب الاقتصادي إحدى القضايا الكبرى التي أولاها المخطط العناية الكافية، ووضع الاستراتيجيات المناسبة للنهوض بها، والحفاظ على مستوى نمو اقتصادي تصاعدي ثابت، وإبقاء المدينة في حالة مستمرة من الازدهار الاقتصادي، والجدوى الاستثمارية، وتم ذلك – بفضل الله – عبر ثلاثة محاور:

  • المحور الأول: يتمثل في تطوير محركات اقتصاد المدينة المباشرة، وتوفير ما تحتاجه من فرص عمل لأجيالها المستقبلية، عبر تنويع موارد المدينة الاقتصادية، وتطوير الحلول المناسبة لمعالجة متطلبات تطوير القطاع الاقتصادي، واحتياجات المدينة في هذا المجال. وضمن هذا المحور تم تطوير عدد من المجالات الاقتصادية الواعدة لتنمية اقتصاد المدينة، ومنها قطاع تقنية المعلومات، والخدمات المالية، والخدمات الطبية والتعليمية والترويحية، كما تم ضمن هذا المحور تطوير قطاعات اقتصاد المدينة القائمة، في المناطق الصناعية، ومناطق الاستعمالات المختلطة، والإسكان.
  • المحور الثاني: تطوير مرافق المدينة ومؤسساتها الخدمية، وفق أسس اقتصادية سليمة، وحديثة، تسمح بإضافة متطلبات القيمة الاقتصادية إلى هذه القطاعات، من حيث التنظيم، والتصميم، والتشغيل، بحيث يمكن الاستثمار في تأسيسها، وتشغيلها ووضع تصورات دقيقة لأنماط تمويل هذه القطاعات، وفق أسس استثمارية.
  • المحور الثالث: تطوير بيئة المدينة العامة، وعمرانها، ومختلف جوانبها الحضرية، بما يجعلها قادرة على استيعاب الاقتصاديات الحديثة، والفرص الاستثمارية، ومتطلبات النمو الاقتصادي الطبيعي. ويدخل ضمن هذا المحور: تطوير استعمالات الأراضي المناسبة للاقتصاديات الحديثة، وتطوير المراكز الفرعية، والضواحي الجديدة، والحفاظ على البيئة، وتطوير أعصاب الأنشطة، واستيعاب متطلبات التنمية الاقتصادية في تطوير الأحياء السكنية، وتمويل الإسكان، وتطوير النقل، والنقل العام، والاتصالات، والمرافق والخدمات العامة.

تنفيذ 65 % من برامج التطوير

هذه الخطط والبرامج والمشاريع لم تبق حبيسة الأدراج والخزائن، بل تجسدت على أرض الواقع في غضون فترة زمنية لم تتجاوز ستة أعوام تمثل الفترة التي أعقبت الانتهاء من وضع المخطط الاستراتيجي الشامل، فبفضل الله، فإن ما يقارب 65 في المائة من برامج المخطط الاستراتيجي التنفيذية، ومشاريعه الاستراتيجية في جميع المجالات التطويرية، ومنها المجال الاقتصادي، هي حالياً إما في مرحلة التنفيذ، أو وصلت إلى مراحل متقدمة من التخطيط التنفيذي، أو بلغت شوطاً كبيراً من التطوير والتخطيط العام.

فما تشهده الرياض هذه الأيام من عمل دؤوب على مدار الساعة، في تنفيذ أبرز مشاريعها الاقتصادية الضخمة، لا يأتي انتهازاً لفرصة عابرة، فهذه المشاريع ليست وليدة اللحظة، وإنما هي نتيجة واستثمار لتوفيق الله الذي هيأ لهذه المشاريع التي نشهدها اليوم عقوداً من التأسيسالممنهجلمرافق المدينة، وقدراتها، ومواردها، والتخطيط الاستراتيجي، البعيد المدى.

مركز مالي عالمي

الأمثلة كثيرة على هذه المشاريع الاستثمارية، التي وضع أسسها المخطط الاستراتيجي الشامل لمدينة الرياض، في إطار من التنمية الحضرية الشاملة المتوازنة، والجدوى الاقتصادية الاستثمارية بعيدة المدة، فمن هذه المشاريع ما يجري تنفيذه حالياً، ومنها ما وصل مراحل متقدمة من التخطيط التنفيذي.

فمركز الملكعبداللهالمالي، الذي يجري إنشاء مرافقه المختلفة، يمتاز بنمط تخطيطي عمراني مختلف عن بقية النسيج العمراني للمدينة، ويتمتع بكثافة عالية في التجهيزات والمرافق الخدمية، والاستعمالات.

هذا المركز مثَل أحد التحديات التي واجهاتها المدينة بتصميم واقتدار، فقد كان من المتعذر استيعاب مثل هذه المنشأة الحضرية الاقتصادية الضخمة ضمن نسيج عمران المدينة المتجانس في كثافة الاستعمالات، دون أن تتشتت عناصره في المدينة، وهو الأمر الذي من شأنه أن يفقد فيه المركز هويته، وتضعف وظيفته الحقيقية، فضلاً عما سينتج عن هذا التشتت من سلبيات متنوعة مثل تفاقم مشاكل النقل، وتجاوز القدرات الاستيعابية للمرافق، والخدمات، والإخلال بتوازن استعمالات الأراضي.

الحل قد سبق تطويره في المخطط الاستراتيجي الشامل، عبر مفهوم تعددية المراكز الحضرية، وإخراج المدينة من حالة أحادية المركز الحضري، إلى تعددية المراكز، عبر تطوير خمس مناطق حضرية، على أطراف محاور نمو المدينة، تمتاز بكثافة الاستعمالات، وتركز المؤسسات الخدمية وكفاءة المرافق العامة، ما يمكنها من خدمة قطاع كبير من سكان المدينة، ضمن دائرة يصل قطرها إلى عشرة كيلومترات.

مراكز فرعية حضرية

مبدأ تعددية المراكز، كان أحد جوانب الحل العملي الاستراتيجي لكثير ممل تعانيه المدينة من ظواهر سلبية: كازدياد معدلات التلوث، والاختناقات المرورية، وتباعد خدمات المرافق والمؤسسات العامة عن قطاعات كبيرة من سكان المدينة، على محاور نموها المختلفة، وزيادة الضغط على المنطقة المركزية في المدينة، وتحول استعمالات الأراضي فيها، والهجرة السكانية منها إلى أطراف المدينة.

ففي الوقت الذي شكلت فيه المراكز الحضرية الفرعية حلاً استراتيجياً لكثير من السلبيات، التي بدأت تعاني منها المدينة، فهي كذلك حل استراتيجي لاستيعاب متطلبات التطوير الاقتصادي الحديث، في مجال المشاريع الاستراتيجية الضخمة، التي تحتاج إلى بيئات متكاملة، وبيئة حضرية مواتية، وأنظمة عمرانية حضرية مرنة، كمشاريع النقل العام، والمدن التعليمة، والطبية، ومناطق الصناعات المتقدمة.

فبينما يجري تنفيذ منشآت مركز الملكعبداللهالمالي، باستثمار يقارب 20 مليار ريال، تتلقى الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض حالياً العروض الاستثمارية لتنفيذ المركز الحضري الفرعي الشرقي، كما تنتظر ثلاثة مراكز أخرى، في غرب المدينة، وجنوبها، وجنوبها الغربي دورها في التخطيط التنفيذي، لتجد مكانها بإذن الله على خريطة واقع المدينة.

ضواحي جديدة للمدينة

مشروع الضواحي الجديدة، بدوره يأتي كحلقة أخرى في مبدأ تعددية المراكز، ليشكل بإذن الله أحد أبرز التغيرات الجذرية الحضرية، التي سيحدثها المخطط الاستراتيجي في خريطة المدينة، في مستقبل المدينة المنظور.

هذه الضواحي الجديدة تتوفر على نمط عمراني، يمتاز بخصائص حضرية مختلفة، عن تلك السائدة في عموم عمران مدينة الرياض، في كل من جوانب: التخطيط العمراني، وتصميم الأحياء السكنية، واستعمالات الأراضي، وتصميم المرافق العامة، والخدمات.

كما تمتاز هذه الضواحي بقدراتها الاستيعابية الكبيرة، إذ طور المخطط الاستراتيجي التصاميم الأولية، والخصائص العامة، والمواقع المختارة، لضاحيتين في شمال المدينة، وشرقها، مقدراً للضاحية الواحدة منها استيعاب ما يناهز نصف مليون نسمة، توفر لهم ضمن نطاق الضاحية كل متطلبات الحياة اليومية، ومصادر الرزق.

الخصوصية التي يتميز بها نمط الضواحي الجديدة عن مدينة الرياض، يرجع إلى اعتبارات تنموية استراتيجية، تهدف لاستيعاب الزيادات السكانية، التي تتجاوز نطاق عمران المدينة الحالي، ضمن بيئة حضرية مستقلة بشكل تام عن مرافق المدينة الأساسية، وخدماتها المختلفة، ما يخفف الضغط على مرافق المدينة القائمة، ويحسن من مستوى أدائها الحضري، ويتيح في الوقت ذاته توفير نمط مختلف من الخدمة الحضرية للزيادات السكانية المتوقعة، تقوم على أسس اقتصادية،تتواءممع المعطيات الاقتصادية المستقبلية المتوقعة، في تأسيس هذه الخدمات الحضرية، وتشغيلها، وإدارتها، وتقدر الكلفة الأولية لتأسيس كل من هاتين الضاحيتين بنحو 240 مليار ريال.

مدينة لتقنية المعلومات

وضمن محور تطوير موارد المدينة الاقتصادية يأتي مشروع مدينة تقنية المعلومات، الذي تقوم على تنفيذه والاستثمار فيه المؤسسة العامة للتقاعد، منطلقة من توصيات المخطط الاستراتيجي الشامل لمدينة الرياض، الذي اعتبر قطاع تقنية المعلومات والاتصالات مجالاً اقتصادياً واعداً، لتنويع موارد المدينة الاقتصادية.

هذه التوصية التي وضعها المخطط تضافرت لوضعها جهود كل من الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض، والغرفة التجارية الصناعية بمدينة الرياض لتأكيدها، مستندين في ذلك إلى جودة مرافق المدينة، وحداثة بنيتها في مجال الاتصالات، ووفرة مراكز الأبحاث والجامعات، والكوادر المؤهلة، والإمكانات التسويقية، وغيرها من الامتيازات المتراكمة في مدينة الرياض.

وبدورها بدأت جامعة الملك سعود مشروعها الطموح: وادي الرياض للتقنية، الذي سيجمع بين منهج البحث العلمي المتقدم، والاستثمار الاقتصادي الإنتاجي العالي التقنية، ممّا يمثّل إضافة نوعية إلى قيمة مشروع مدينة تقنية المعلومات، ويستفيد منه في الوقت نفسه، ويعجّل بإذن الله من انطلاق مشاريع أخرى في الصناعات المتقدمة، وتطبيقاتها، عملاً بما أوصى به المخطط الاستراتيجي لمدينة الرياض، وحدّد المواقع الأفضل لتشييدها، الأمر الذي سيفتح المجال لاستثمارات جديدة في هذا القطاع الحيوي ويؤكد قيمتها الاقتصادية.

محاور لتطوير النقل

وضمن محور تهيئة الرياض لاستيعاب المشاريع الاقتصادية الحديثة، وضع المخطط الاستراتيجي رؤية استراتيجية متكاملة لتطوير قطاع النقل في المدينة، الذي أصبح هاجساً يومياً لسكان المدينة، تتمثّل معطياته اليومية في أكثر من 6 ملايين رحلة، 2 في المائة تتم بوسائط النقل العام، ستتزايد بمرور الوقت لتصل إلى 11 مليون رحلة يومياً في عام 1445 هـ، وهو وضع يؤدّي إلى الكثير من الاختناقات المرورية، وتصاعد نسب التلوث، وارتفاع عدد الحوادث، وزيادة الخسائر المادية المباشرة، وغير المباشرة.

تطوير قطاع النقل في المخطط يتم عبر عدة محاور، يجري العمل عليها في وقت واحد، فهناك مجال تطوير شبكة الطرق القائمة، عبر تحديث الشبكة الحالية وتوسعتها، وضمن هذا المجال اعتمد المخطط شبكة الطرق المستقبلية في المدينة للعشرين عاماً القادمة.

وضمن نفس المجال تعمل الهيئة على تطوير الإدارة المرورية، وتحسين السلامة المرورية، عبر برنامج استراتيجي تعمل فيها 11 جهة حكومية، وفق خطة عمل موحدة.

جانب آخر من تطوير قطاع النقل، تمثل في السيطرة على بواعث الحركة المرورية، بتطوير استعمالات الأراضي، وتصميم الأحياء السكنية، وتوزيع المرافق والخدمات على أحياء المدينة.

أما في مجال النقل العام في المدينة، فإن العمل على تطويره يتم عبر محورين هما:

  • المحور الأول: تطوير بيئة المدينة العمرانيةوالمرافقيةلتصبح مواتية لاستيعاب وسائط النقل العام، وفق أسس اقتصادية مجدية، وذلك بتهيئة المدينة عبر تأسيس المراكز الفرعية، وتطوير أعصاب الأنشطة، وتطوير استعمالات الأراضي، وتصميم الأحياء السكنية، وتوزيع المرافق والخدمات، وتهيئة شبكة الطرق في المدينة لاستيعاب وسائط النقل العام، إضافة إلى تطوير حزمة متكاملة من الأنظمة التي تجعل وسائط النقل العام على قدم المساواة العملية في النقل، مع السيارة الخاصة.
  • المحور الثاني: تطوير برامج استثمارية تنفيذية للنقل العام، تتمثل في الخيار المناسب للنقل العام في مدينة الرياض، يستند إلى نظام متكامل من النقل بالحافلات ذات المسارات المتعددة الكثافة، إلى جانب النقل بواسطة القطارات الكهربائية، التي ستبدأ عبر محورين أساسيين، أحدهما يمر عبر طريق الملكعبدالله، من شرق المدينة لغربها، والآخر يمر خلال العصب المركزي للمدينة من جنوبها، إلى شمالها.

هذه البرامج الكبرى لتطوير قطاع النقل العام، تقدر تكلفتها الاستثمارات اللازمة لتنفيذ المشروع بتجاوز 26 مليار ريال، في حين تتجاوز عوائد المشروع ثمانية مليارات سنوياً، كعوائد مباشرة، مثل عوائد التشغيل، وعوائد غير مباشرة، مثل عوائد خفض الهدر في ساعات العمل، ونسب الحوادث، والتلوث.

فتأسيس برنامج فاعل للنقل العام يقوم على أسس اقتصادية من الجدوى الاستثمارية كالذي تخطط له الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض، ليس فقط ليكون وسيلة لخدمة ذوي الدخل المحدود، أو الفئات ذات الاحتياجات الخاصة، أو لخدمة أغراض تنقلية، أو موسمية محدودة، وإنما ليكون جهازاً عضوياً يمس الحياة اليومية لكل سكان المدينة، وفق أسس عملية، تكسبه الجدوى الاقتصادية للمستثمرين فيه، والمستفيدين منه.

تطوير وسط المدينة

كما يأتي ضمن محور تهيئة المدينة لاستيعاب المشاريع الاقتصادية الحديثة برنامج تطوير وسط المدينة، وهو برنامج حضري في الأساس، يهدف إلى تطوير تخطيط وسط المدينة، وأنظمتها الحضرية، وتطوير مرافقها، وخدماتها، بما يتناسب مع مستوى التطوير في بقية أحياء المدينة الحديثة.

القيمة الأساسية للبرنامج تكمن في تقديم الخدمة الحضرية الراقية لسكان وسط المدينة، فعلى الرغم من أن نطاق البرنامج لا تتجاوز مساحته أربعة كيلومترات، من وسط المدينة، إلا أنه يقدم مختلف أنماط الخدمة الحضرية لنحو نصف سكان المدينة.

هذا التطوير من شأنه تحقيق الاستقرار السكاني في وسط المدينة، ووقف الهجرة السكنية الداخلية في المدينة باتجاه الأحياء الحديثة تاركين خلفهم أحيائهم القديمة التي تتحول بمرور الوقت إلى مناطق استعمالات مختلطة، وما يتبع ذلك من إشكالات: ثقافية، واجتماعية، وأعباء أمنية، الأمر الذي نتج عنه تآكل القيمة الاقتصادية للمنطقة، واستقطابها لأنماط حديثة من مشاريع الإسكان، والخدمات، وتجارة التجزئة.

برنامج تطوير وسط المدينة، سيستند في منافسته لبقية مناطق المدينة المزدهرة اقتصادياً، إلى أفضلية موقعه، وجودة المرافق والخدمات، والأنظمة المطورة، والكثافة السكانية العالية.

متنزه الرياض الكبير

مثال آخر لتهيئة المدينة لاستيعاب متطلبات التطوير الاقتصادي الحديث يحمل بين طياته فرصاً استثمارية بعيدة المدى، يتمثل في برنامج تطوير وادي حنيفة الذي شكل مصدر الحياة والرزق لسكان المستوطنات والبلديات التي قامت على ضفافه، لكنه مع التطور العمراني الحديث، فقد قيمته في حياة الناس، الذين تغيرت أنماط حياتهم، ومصادر معاشهم، وأصاب الوادي أشكال شتى، من المظاهر البيئية السلبية، التي أوشكت أن تؤول إلى كوارث محدقة بعمران المدينة، وسكانها.

علاقة الهيئة بالوادي امتدت على مدى عقدين من الزمن، بدأتها الهيئة بالدراسات والتقويم، وتواصلت عبر إجراءات الحماية، ووقف مسببات التدهور، وانتهت ببرنامج تطوير وادي حنيفة، الذي وضع للوادي مخططا شاملاً: لضبط الاستعمالات، والحفاظ على البيئة، وتنمية الموارد الطبيعية، وتحديد المحميات البيئية. تطبيقاً لمخطط تطوير الوادي، ونفذت الهيئة مشروع التأهيل البيئي الشامل للوادي، الذي أعاد الوادي إلى طبيعته الأصلية مصرفاً لمياه السيول، وأزال جميع مصادر الضرر، والمخلفات من بطنه، ووضع نظام قناة مائية مفتوحة للمعالجة الحيوية في الوادي، بطول يتجاوز 50 كم، وشبكة حديثة من عشرات الكيلومترات، من الطرق، والممرات المرصوفة والمضاءة، وزُرعت في بطن الوادي عشرات الآلاف من الأشجار المختلفة، والشجيرات، وجُهزت مواقع عديدة من الوادي للتنزه.

كانت النتائج سريعة، فقد عاد الوادي إلى طبيعته، لكن عودته صحبتها في الوقت ذاته نهضة اقتصادية، بدأت في إفراز مشاريعها الاستثمارية، حيث أصبح الوادي منتزه الرياض الكبير، وأحد أهم مقاصد سكان المدينة، وزوارها للتنزه، والترويح، وتصاعدت قيمة العقارات في نطاق الوادي، وأصبح أحد أهم أعمدة التنمية الاقتصادية السياحية في الرياض.

هذا على المدى القريب، أما على المدى البعيد، فالوادي سيوفر للمدينة موارد مائية من المياه المعالجة للزراعة، والري تتجاوز نصف ما تستهلكه مدينة الرياض من مياه، فضلاً عن المردود الاستراتيجي في حفظ أحياء المدينة عموماً، والمطلة على الوادي خصوصاً من أخطار الفيضانات الموسمية، والسيول، وتحسين البيئة العامة للمدينة، وخفض بواعث التلوث، وحماية المدينة من الأوبئة المنبعثة من مستنقعات المياه الآسنة، التي كانت منتشرة في بطن الوادي، وجميعها بلا شك عوائد اقتصادية عالية القيمة، سينعكس أثرها الإيجابي على اقتصاد المدينة بإذن الله.

مقومات وعوامل للنجاح

لذا فإنَّ مدينة الرياض تتبوأ مكانة اقتصادية مرموقة، تجعلها قاعدة مميزة لأنماط شتى من التطوير الاقتصادي، والاستثمار بفضل الله وتوفيقه، ثم بجهود مؤسسات الدول الحثيثة، ولا يكاد يوجد نشاط اقتصادي إيجابي حديث، وليس له حضور في هذه المدينة المتعددة الأوجه الاقتصادية، غير أن الفرص الاستثمارية الكبرى، ذات الجدوى العالية، يجب أن تأخذ في اعتبارها المقومات الضرورة للنجاح الاستثماري في مدينة الرياض. وفي مقدمتها العمل ضمن استراتيجيات اقتصادية بعيدة المدى، إذ إنّ النجاحات الاقتصادية تتطلب العمل وفق مرحلية اقتصادية دقيقة، وخطط حثيثة، وعمل دؤوبممنهج، قبل أن تؤتي المشاريع ثمارها، وهي مهمة ميسرة نسبياً في مدينة مستقرة، واضحة المعالم المستقبلية، كمدينة الرياض.

كما يتمثّل أحد مقومات النجاح الاستثماري في استيعاب جميع العوامل المؤثّرة في البرنامج الاقتصادي، أو المشروع الاستثماري، بما في ذلك العوامل غير المباشرة، ومن ذلك الجوانب البيئة، ومتطلبات التنمية الاجتماعية، والخصوصية الثقافية، إلى جانب جودة التخطيط للمشاريع الاستثمارية، وتطبيق المفاهيم العلمية الحديثة في: الإدارة، والتخطيط، والتصميم، والتنفيذ، والاستعانة بالكوادر المؤهلة، والإنفاق المرشد بحسب الأولويات، ومتطلبات مراحل العمل، فضلاً عن البحث عن التنمية الرشيدة، التي تحقق النفع العام، وخدمة الإنسان، وعمارة الأرض، والعناية بالموارد، وترشيدها، والعمل وفق أولويات الحياة، وضروراتها، والإيجابية المطلقة في كل مراحل العمل، ونواتجه.