الرياض جمعت بين التخطيط والتطبيق في مجال الاقتصاد المعرفي

تجربة الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض في سعيها إلى تحول مدينة الرياض إلى مدينة معرفية، ابتداء من تحويل الهيئة ذاتها إلى مؤسسة معرفية ووصولاً إلى جعل الرياض مدينة منتجة للاقتصاد المعرفي؛ أوجزتها مشاركة الهيئة في منتدى العمران السعودي الثاني الذي تنظمه الجمعية السعودية لعلوم العمران.فخلال المحاضرة التي ألقاها المهندسعبداللطيفبن عبدالملك آل الشيخ عضو الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض رئيس مركز المشاريع والتخطيط في الهيئة؛ تطرق إلى جوانب من التجربة العملية التي شهدتها مدينة الرياض في مجال الاقتصاد المعرفي، التي بدأت مبكراً وجمعت بين التخطيط والتطبيق، واستوعبت المراحل الأساسية في عملية تحويل المدينة نحو المعرفية والاقتصاد المعرفي، فاشتملت على الرؤى المستقبلية، والخطط الاستراتيجية، والسياسات القطاعية، والبرامج التخطيطية، والمبادرات التطبيقية، والمشاريع المعرفية المتخصصة.

تغير قواعد المنافسة

ظلت الحواضر لآلاف السنين معتمدة في ازدهارها، وقوام حياة سكانها على الاقتصاد الزراعي، وما يتمخض عنه من تجارة، وحرف. ومع بداية الثورة الصناعية- قبلما يزيد على مائتي عام – برز الاقتصاد الصناعي بوصفه أهم المجالات الاقتصادية التي تتنافس فيها المدن، والحواضر العالمية. أما خلال العقدين الماضيين فقد انتقلت المنافسة الاقتصادية إلى ميدان المعرفة، والاقتصاد المعرفي.

ويتميز هذا الاقتصاد بأنه اقتصاد وثَّاب، يتوسع نطاقه، وتتجدد مجالاته بسرعة هائلة. رأس ماله: العقل البشري، وعماده: المجتمع المثقف، الذي يتخذ من المعرفة وسيلة ضرورية للحياة، وبيئة هذا الاقتصاد: مستدامة، وعمرانه: عالي التقنية، ومرافقه: ذكية حديثة، ومنتجاته: متعددة، تمس جوانب الحياة كلها، وتؤثر في المجالات الاقتصادية الأخرى جميعها.

وتمثل المعرفة والتعلم الوسيلة المثلى للنمو والازدهار، وهما أساس الحضارة، وركيزة الأنشطة الاقتصادية كلها؛ إلا أن المعرفة في العصر الحديث- وتحديداًفي هذه الأيام – بلغت مرحلة عظيمة من تطور الوسائل، والأدوات، وتعدد المعارف والمجالات، وتنوع المعلومات والتطبيقات والتقنيات، فلم يعد بمقدور أحد أن يعيش في غنى عنها؛ فعصرنا عصر المعرفة، التي أصبحت قيمةً استثماريةً في ذاتها، واقتصاداً مستقلاً.

المدينة المعرفية

وبغض النظر عن التعريف الاصطلاحي للمدينة المعرفية، والاقتصاد المعرفي؛ فإن دلالات هذه المصطلحات وخصائص المدن المتصفة بها؛ أرى أنها تندرج ضمن ثلاثة محاور، تشمل:

  • أولاً: الأداء الحضري المعرفي: بحيث تصبح المعرفة الموجه الأساسي لتطوير المدينة، والوسيلة المثلى لإدارة واقعها، واستشراف مستقبلها، كما تصبح المعرفة والمعلوماتية وتقنيات الاتصالات، والذكاء الصناعي؛ صفات أساسية تصبغ النشاط الحضري للمدينة في معظم أشكاله، وتشكل التجهيزات الفنية الحديثة للمعلومات والاتصالات صفة أساسية لكل مرافق المدينة العامة، وعناصرها الحضرية المختلفة.
  • ثاني هذه المحاور يتمثل في الاقتصاد الخدمي المعرفي: الذي يعتمد على طيف واسع من المؤسسات الخدمية الصغيرة والمتوسطة، المتخصصة في تقديم الخدمات المعرفية، فتشكل قاعدة أساسية لازدهار مراكز الصناعات المعرفية الكبرى في المدينة، وفي الوقت ذاته تشكل السوق الأساسية لمنتجات هذه المراكز.
  • أما ثالث المحاور فهو الاقتصاد المعرفي: حيث يزدهر الاقتصاد القائم على المعارف، والتقنيات المنبثقة عنها، إنتاجاً، وتطبيقاً، فتزدهر في المدينة مناطق اقتصادية متخصصة في التقنيات والتطبيقات الحديثة، ومجال الأبحاث والمجالات الأكاديمية، وفي مجال التصنيع والخدمات المتخصصة.

إن هذه المحاور الثلاثة تمنح المدينة صفة المعرفية، وبقدر ما تمتاز به المدينة في هذه المحاور؛ تتأكد تبعاً لذلك صفتها المعرفية، ومتانة اقتصادها المعرفي.

وضمن هذه النظرة الشمولية يمكن فهم المؤشرات الاقتصادية للقطاع المعرفي، الذي يشكل حالياً ما يزيد على 60 % من الناتج الاقتصادي لبعض الدول المتقدمة، ويشكل ما يقارب 7% من الناتج الاقتصادي العالمي، وهو ينمو بنسبة 10% سنوياً، متقدماً على الكثير من القطاعات الاقتصادية.

متطلبات المدن المعرفية

التأكيد على أهمية الاقتصاد المعرفي، وضرورة تحلي مدننا بالمعرفية؛ يعني مجتمعاتنا في الكيفية التي تصبح بها مدننا معرفية، فيها اقتصاد معرفي، يمتاز بالقوة، والقدرة على المنافسة، وحيوية الاستجابة للمتغيرات، والإسهام الفعال في التنمية الشاملة.

هذه الكيفية منوطة بتضافر الجهود جميعها بدءاً من الأسرة، والمحاضن التربوية، وانتهاء بالمراكز البحثية، والمؤسسات المالية، والسياسات الوطنية، وخطط التنمية الاستراتيجية.

وهنا يبرز السؤال التالي: ما المتطلبات الحضرية لتصبح المدن معرفية يزدهر فيها الاقتصاد المعرفي؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تتجلى فيما تعنيه المعرفية، ومايتطلبهالاقتصاد المعرفي في الواقع الحضري للمدينة بتفصيلاته ومجالاته كلها.

فالمدينة المعرفية ذات الاقتصاد المعرفي تمتاز بمجتمع متعلم، عالي التأهيل، قادر على رصد البيانات، وتحويلها إلى معلومات ذكية، ومنتجات معرفية بتطبيقاتها المختلفة.

بناء هذا المجتمع مهمة كبرى، لكنها في شقها الحضري تعني متطلبات محددة في قطاعات المدينة المختلفة.

عمران هذه المدينة تشكل فيه المعلومات والتقنيات الحديثة أساس تصميمه، وإدارته، فيمتاز بالمرونة، والاستدامة، وترشيد الموارد، وكفاءة التشغيل، وتوفر الخدمات الحديثة، ووفرة وسائل الاتصال بتقنياتها المتطورة.

تقنيات الاتصال الحديثة

تشكل تقنيات الاتصال الحديثة مكوناً عضوياً في كل عناصر المرافق العامة للمدينة، وتشمل كل مناطقها. كما تشكل التقنيات الحديثة أداة تشغيل مرافق المدينة، وإدارتها.

المؤسسات الخدمية العاملة في المدينة المعرفية تستخدم التقنيات الحديثة في إدارتها وتضم أنظمة متطورة للمعلومات ولديها التجهيزات والبرامج المتقدمة للمشاركة في هذه المعلومات وتبادلها، كما تتميز مؤسسات تلك المدينة بسرعة الاستجابة، وكفاءة الأداء، وتقديم الخدمات عن بعد، عبر الخدمات الإلكترونية.

كما تتعدد في المدينة منظومة المعرفة لتشمل المراكز الثقافية والمراكز العلمية لمختلف الفئات والمراكز البحثية المتقدمة، والجامعات، والكليات، والمعاهد، ومراكز المعلومات.

وفي المناطق العامة والمفتوحة ومناطق الاستعمالات المتعددة تتوفر خدمات المعلومات، وتقنيات الاتصالات الحديثة، ووسائط المعلومات.

الاستعمال المعرفي للأراضي

أما في استعمالات الأراضي فيشكّل الاستعمال المعرفي عنصراً بارزاً في المجال الخدمي، والتجاري، ويشمل ذلك المناطق المعرفية (كمدن التقنية والمعلومات، ومناطق الصناعات التقنية المتقدمة)، وتلقّى هذه الاستعمالات التنظيمات العمرانية والتخطيطية المناسبة، التي تدعم تطورها، وتسهل قيامها، وتوفّر متطلبات البيئة المناسبة لها.

وتشكّل كوادر العمل التي تمتاز بالتأهيل العالي القائم على التخصصات التطبيقية العلمية المتنوعة، والتطبيقات المعلوماتية الحديثة؛ وسائل مهمة في إدارة نشاط المدينة المعرفية وتطويره وفي ازدهار الاقتصاد المعرفي بأنواعه الصناعية، والتجارية، والخدمية.

مؤسسات الأعمال الخاصة المتوسطة والصغيرة- التيتشكل ركناً مهماً في اقتصاد المدينة – تعتمد التطبيقات المعرفية الحديثة، وعدد كبير منها متخصص في الخدمات المعرفية، وتطبيقاتها المختلفة، ويمثل سوقاً أساسية لمنتجات مراكز الصناعات التقنية ومدن المعلومات.

ولا بد للبيئة العامة للمدينة أن تدعم ما يتصل بالمعرفة والمعلوماتية عبر النظم التشريعية التي تحفظ حقوق الملكية الفكرية، وعبر التسهيلات المالية وتأسيس المرافق والتجهيزات العامة اللازمة، وتوفير المناخ الضروري لازدهار القطاع المعرفي مثل إقامة الندوات وورش عمل، وعمل الأبحاث والنشر العلمي وإقامة المعارض والمؤتمرات المتخصصة وغير ذلك.

مقومات معرفية المدينة

تحقيق هذه المتطلبات الحضرية في تطوير المدن لتكون مدناً معرفية، يزدهر فيها الاقتصاد المعرفي؛ يتطلب الكثير من الإعداد، والمؤهلات، والامتيازات القائمة في المدينة، وتلك التي ينبغي أن تكتسبها في واقعها، والتي يمكن أن تتحول إلى مقومات أساسية لمعرفية المدينة. لعل من أبرزها:

أن تكون المعرفية والاقتصاد المعرفي عنصراً أساسياً في الخطة التنموية الاستراتيجية بعيدة المدى للمدينة؛ إذ لا يمكن تصور أن تتحول المدينة بين ليلة وضحاها إلى الاقتصاد المعرفي بمجرد تأسيس منطقة تقنية متقدمة، أو مرفق معرفي مهما كان مستواه التقني، وقدراته الاقتصادية.

إن استيعاب معرفية المدينة ضمن التخطيط الاستراتيجي للمدينة يعني توجيه التنمية البشرية في المدينة نحو هذا المطلب، وتهيئة مايتطلبهمن: عمران حديث، عالي التقنية، مهيأ لإطلاق الإبداع البشري، مناسب للاحتياجات الإنسانية، ومرافق عامة، ومؤسسات خدمية، وبيئة حضرية تتضمن متطلبات الاقتصاد المعرفي في بنيتها الأساسية، وفي كل قطاعات المدينة التنموية.

ففي المرافق العامة ستصبح التجهيزات التقنية للاتصالات والمعلومات عنصراً أساسياً لا يقل أهمية عن شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، والمؤسسات الخدمية ستكون مهيأة لتقديم الخدمات عن بعد من خلال الخدمات الإلكترونية، وتحقق التوزيع المتكافئ للخدمة في أنحاء المدينة كلها، ولساكنيها جميعهم.

استعمالات معرفية حضرية

في الاستعمالات الحضرية سيصبح الاستعمال المعرفي واضح المعالم، يحظى بالتشريعات الداعمة، والحافظة لحقوقه، ويحظى بالتنظيمات الحضرية والعمرانية المناسبة، والمناطق الخاصة المؤهلة لاستيعابه، والمرافق العامة والبنى التحتية الضرورية المناسبة.

إن كلَّ عناصر المدينة تتضمن متطلبات تخطيطية محددة لتكون مهيأة للاقتصاد المعرفي بدءاً من المنزل الصغير لكل أسرة، وانتهاء بمناطق الصناعات التقنية المتقدمة، والمرافق العامة الخادمة؛ وتحقيق ذلك بهذا الشمول لا يكون إلا وفق خطط استراتيجية شاملة بعيدة المدى.

كما يتطلب تأسيس الاقتصاد المعرفي البدء مبكراً بتأسيس المقومات الأساسية لهذا الاقتصاد من مرافق التعليم والأبحاث المتخصصة وحاضنات الأعمال، ومراكز الصناعات التقنية.

إن أهم عناصر التنمية الاقتصادية المعرفية تتركز حول تهيئة الإنسان، وتأهيله بالمعارف الحديثة، فهو المحرك الأساسي للاقتصاد المعرفي، حيث إنه المنتج لهذا الاقتصاد، وهو المطور له، وهو المستهلك لمنتجاته.

والتنمية البشرية عملية بعيدة المدى، تتطلب تهيئة شاملة على مستوى التخطيط الوطني.

تجربة مبكرة للرياض

التجربة العملية التي شهدتها مدينة الرياض في مجال التحول إلى مدينة معرفية؛ تجربة بدأت مبكراً، واستوعبت المراحل الأساسية في عملية تحويل المدينة نحو المعرفية والاقتصاد المعرفي؛ فاشتملت على الرؤى المستقبلية، والخطط الاستراتيجية، والسياسات القطاعية، والبرامج التخطيطية، والمبادرات التطبيقية، والمشاريع المعرفية المتخصصة، فهي تجربة جمعت بين التخطيط والتطبيق.

إن هذه المقاربة لتجربة الرياض المعرفية تأتي في معرض تأمل التجربة، والاستفادة منها في تطوير مفاهيمنا العملية نحو المعرفية والاقتصاد المعرفي، وكيفية تحويل ذلك إلى واقع.

ركائز الاقتصاد المعرفي

لقد بدأت الرياض سيرها في مجال المعرفة مبكراً؛ وعلى أسس تجاوزت المفهوم المباشر للاستثمار والتجارة المعرفية؛ إلى تأسيس ركائز الاقتصاد المعرفي الذي يتطلب معالجة أعمق، وشمولية أوسع لكل العناصر المؤثرة في الاقتصاد. هذا التأسيس حظي بالدعم اللازم.

ويجري تحديثه وتطويره بشكل دائم؛ وهو ما جعل مدينة الرياض: عمراناً، ومرافق عامة، وخدمات؛ تقف دوماً على مسافة قريبة من التنامي السريع، والتغير الكبير في متطلبات الاقتصاد المعرفي؛ وهذا ما أكسب الرياض الجدوى الاقتصادية المعرفية العالية.

وأبرز ملامح هذه الامتيازات التي تحققت بفضل الله لمدينة الرياض أن تهيأت لتطوير الرياض بتوفيق الله سلطة مشتركة عليا، شكلت من الجهات المعنية بإدارة المدينة وتطوير قطاعاتها المختلفة، تمثلت في الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض، لهذه الهيئة جهاز تنفيذي هو مركز المشاريع والتخطيط الذي حرص أن تكون الهيئة مؤسسة معرفية، تدير نشاطها عبر أجهزة معرفية حديثة، وتتخذ من المعرفة والمعلومات الذكية لغة لتقويم واقع المدينة، واستشراف مستقبلها، وتنسيق أداء الشركاء في إدارتها وتطويرها؛ وذلك عبر تأسيس نظام للمعلومات الحضرية، وتأهيله بالتجهيزات الفنية الحديثة والكوادر المدربة، وعدّه الجهاز العصبي لمجمل أعمال الهيئة على مستوى التخطيط والتنسيق وتنفيذ المشاريع.

روافد الاقتصاد المعرفي

التخطيط الاستراتيجي يمثل المهمة الأساسية للهيئة، ووسيلتها الأولى نحو تطوير المدينة وأدائها الحضري وتطوير اقتصادها المعرفي.

فالمخطط الاستراتيجي الإقليمي لمنطقة الرياض سيكون بإذن الله أحد روافد تنمية الاقتصاد المعرفي في المدينة؛ حيث يقوم على التنمية الشاملة المتوازنة بين حواضر المنطقة ومدينة الرياض، في إطار تكاملي يتيح للرياض التفرغ للنمو النوعي، والتخفيف عليها من متطلبات الهجرة الداخلية المتواصلة التي تستهلك موارد المدينة في توفير المتطلبات الضرورية للسكان المتزايدين باستمرار.

المخطط الاستراتيجي الشامل لمدينة الرياض، الذي اعتمدته الهيئة مرجعية لكل أعمال التطوير في المدينة، في عام 1424 ه؛ أولى التنمية المعرفية والاقتصاد المعرفي عناية مبكرة، ووضع الخطط والسياسات القطاعية الكفيلة بتنميته ليكون أحد ملامح المدينة المستقبلية.

فالرؤية المستقبلية للمخطط اعتبرت المعرفية أحد أركانها الأساسية؛ حيث نصت على «أن تكون الرياض مركز إشعاع علمي وثقافي، ومدينة رائدة في الخدمات التعليمية والصحية، تمثل مركزاً للمعرفة، ذا دور قيادي في الأبحاث العلمية، والتقنية.»

تنويع موارد المدينة

السياسات القطاعية في المخطط اختارت مجال الاتصالات وتقنية المعلومات، والصناعات الدقيقة المتقدمة؛ أحد المجالات الاقتصادية الواعدة لتنويع موارد المدينة، وتوفير احتياجات سكانها المستقبلية من فرص العمل، ومصادر الدخل.

هذا الاختيار انطلق مما تتمتع به المدينة من موارد كبيرة، وكوادر مؤهلة، ومرافق عامة حديثة، وخدمات متقدمة.

كما شكلت القطاعات الاقتصادية الأخرى المستهدفة للتطوير في المدينة روافد لتنمية القطاع الاقتصادي المعرفي، والجوانب المعرفية في المدينة.

أما على المستوى التخطيطي التفصيلي فالعمل جارٍ على توفير متطلبات تقنية المعلومات والإدارة الذكية في تشغيل أعصاب الأنشطة في المدينة، تطبق عليها أنظمة الإدارة المرورية الحديثة، ويتمُ ذلك حالياً في مشروع تطوير طريق الملكعبدالله، وفي مرافق النقل العام والقطار الكهربائي، الذي يجري التخطيط له حالياً، وسيتم توفير خدمات الاتصال المتقدمة للجمهور.

وعلى مستوى التخطيط والتصميم العمراني اعتمدت مفاهيم الاستدامة البيئية، التي تقوم في الأساس على المعلوماتية والإدارة الذكية وترشيد الموارد.

في مجال البنى التحتية تمتلك المدينة كل الوسائل التقنية الحديثة للاتصالات، من قواعد البث والاتصال الفضائي (الأقمار الاصطناعية) وشبكات الاتصالات، التي بدأت حالياً في تأسيس مرافق الاتصالات الحديثة كالنطاق العريض، وحزم الألياف البصرية.

أسس علمية للمدينة المعرفية

أما الأساس العلمي للمدينة فيتمثّل في مدينة للعلوم والتقنية، وثماني جامعات حديثة تضم أكثر من خمسين كلية علمية، وأكثر من 230 من المعاهد الفنية والتقنية، ومراكز أبحاث واستشعار عن بعد، ومراصد حضرية.

هذه البيئة العلمية توفر للمدينة الكوادر البشرية التي تحمل المؤهلات التخصصية؛ وهي تشكل العماد الحقيقي للصناعات المعرفية والأداء الحضري المعرفي.

وفي مجال مراكز التقنية والصناعات المعرفية؛ فقد بدأ العمل مبكراً في منطقة الصناعات التقنية المتقدمة في أرض مطار الملك خالد الدولي ضمن برنامج التوازن الاقتصادي، ويجري حالياً التخطيط لمزيد من مراكز الصناعات المتقدمة على أرض المطار.

كما يجري إنشاء مدينة الاتصالات وتقنية المعلومات، التي تقوم عليها المؤسسة العامة للتقاعد، ويجري كذلك إنشاء وادي الرياض للتقنية التابع لجامعة الملك سعود.

فضلاً عما تقوم بتأسيسه بقية الأنشطة الاقتصادية والخدمية في المدينة كالطبالاتصاليفي مستشفى الملك فيصل التخصصي، وتقنيات الاستشعار عن بعد في مدينة الملكعبدالعزيزللعلوم والتقنية، والتعليم الافتراضي، والتعليم عن بعد في الجامعات الحكومية والأهلية، والأجنبية.

خدمات معرفية

الخدمات المعرفية في مجال الإدارة الحضرية قطعت شوطاً كبيراً، حيث أنجزت الهيئة الخريطة الأساس لمدينة الرياض، وتم ربط جميع الجهات العاملة في المدينة بها لتحديث بياناتها الخاصة، والاستفادة من المعلومات المكانية الذكية التي تقدمها الخريطة.

كما بدأ التشغيل التجريبي لقاعدة المعلومات الحضرية في المدينة، وتم ربط خمس جهات أساسية في إدارة المدينة بهذه القاعدة آلياً، بما يتيح لكل جهة إدارة بياناتها ومعلوماتها الخاصة والإفادة من معلومات الجهات الأخرى.

وفي المستقبل القريب سيتم تعميم تطبيق التجربة على مستوى جميع الجهات العاملة في المدينة، وحتى القطاع الخاص.

كما تتعدد أوعية المعلومات التي تقدمها الهيئة للجمهور العام ومؤسسات التطوير والخدمات وقطاع الإنشاءات والتطوير العقاري عبر عقد الندوات المعرفية، ومواقع الهيئة المعلوماتية، في مجالات تطوير العمران وتصميم المنشآت، والتطبيقات الحديثة في البناء وحماية البيئة، وترشيد الموارد، والتنمية المستدامة، وفي مجال المعلومات المسحية المعالجة عن الواقع الحضري للمدينة، حيث تنشر الهيئة سنوياً أكثر من ستة آلاف جدول معلوماتي بياني عن الواقع الحضري للمدينة.

الاقتصاد الخدمي المعرفي

الاقتصاد الخدمي المعرفي يمثل حصة كبيرة من الاقتصاد الخدمي العام في المدينة، فالقطاع الحكومي الإداري الذي يستوعب 30 % من كوادر المدينة بد أت قطاعاته في تقديم الخدمات الإلكترونية، واستخدام أوعية المعلومات الحديثة وتقنية المعلومات في إدارة أنشطتها التنفيذية والتخطيطية. كما يعدُّ القطاع المالي من أقدم القطاعات الاقتصادية في تطبيق التقنيات المعرفية وخدمات الاتصالات والمعلومات في إدارة نشاطه المحلي والعالمي. في قطاع الخدمات الاقتصادية المعرفية عشرات الشركات التي تقدم خدماتها الاتصالية المختلفة. ويتزايد مستخدمو خدمات الإنترنت بمعدل 8% سنوياً، ويبلغ عدد مستخدمي خدمات النطاق العريض حالياً قرابة مليوني اشتراك، وتبلغ نسبة استخدام الأسر للحاسبات الشخصية قرابة 50 % من إجمالي عدد الأسر في المدينة.

كما توجد في المدينة أكثر من 290 مؤسسة تقدم الخدمات المعرفية في مجال توفير التقنيات المعرفية والتجهيزات الفنية والبرمجيات وخدمات الشبكات والاتصالات وخدمات التشغيل والصيانة.

مؤشرات الأداء المعرفي

مؤشرات الأداء المعرفي في مدينة الرياض، واقتصادها المعرفي هو انعكاس لجهود تأسيسية مبكرة، وستوفر بإذن الله للمدينة قاعدة صلبة للانطلاق نحو مرحلة أكثر إنتاجاً في الجانب الكمي والنوعي، اعتماداً على ما يتوفر للمدينة من امتيازات عديدة في هذا المجال تنتظر البرامج التنفيذية العملية التي توظفها لأقصى طاقة إنتاجية، ومن هذه الامتيازات على سبيل العرض وليس الحصر:

  • مجتمع المدينة الفتي الذي تسوده الأعمار الصغيرة، حيث يمثّل السكان الذين تقل أعمارهم عن 20 سنة 53 % من إجمالي السكان، وهؤلاء هم عماد الصناعة المعرفية مستقبلاً بوصفهم مستهلكين لها، ومطورين لمنتجاتها.
  • وفرة القدرات المالية للمدينة المتمثلة في توفر رؤوس الأموال القابلة للتوظيف وفق أسس استثمارية بعيدة المدى، إضافة إلى الدخل المرتفع نسبياً لعموم سكان المدينة، وهو ما يمكنهم من الإنفاق على المعرفة، والاستفادة من تطبيقاتها وخدماتها في حياتهم اليومية.
  • الجانب التخطيطي المستقبلي للمدينة يقدم عدداً كبيراً من الفرص الاقتصادية المعرفية في تصميم المرافق العامة، وإدارتها وفق أنظمة الإدارة الذكية على أسس استثمارية، كما تشكل المناطق المفتوحة والأماكن العامة، التي أصبحت مكوناً رئيسياً في عمران المدينة محاضن مناسبة لتقديم الخدمات المعرفية الثقافية.
  • جاهزية البنية التحتية المتطورة في المدينة والتي تشهد نمواً مستمراً في أجزائها كلها.
  • كما أن خطط الدولة التنموية الخمسية، ومشاريعها التأسيسية تقوم على الاستثمار في التأهيل العالي للكوادر البشرية، والتوسع في الاقتصاديات المعرفية، وكما ورد في الاستراتيجية بعيدة المدى للاقتصاد الوطني المعدة من وزارة الاقتصاد والتخطيط، فإن «تحقيق الميزة التنافسية يتطلب توفير قاعدة قوية للعلوم والتقنية متكاملة بمقوماتها البشرية وتجهيزاتها المادية والمؤسسية.»

مستقبل الاقتصاد المعرفي

إن الاقتصاد المعرفي في العصر الحديث قد أخرج المعرفة من دورها المحفز للاقتصاد والصانع له في مجالاته كلها: التجارية والزراعية والصناعية، إلى الجدوى الاقتصادية المباشرة للمعرفة، والمعلومة الذكية، وذلك بفضل ما أتاحه الله للبشرية من توسع في وسائل الاتصالات، وتطور في أوعية المعلومات، والتقنيات، وانتشار المعرفة. وعلى الرغم من الطبيعة المعرفية لهذا الاقتصاد إلا أن معرفة مستقبله، واستشراف ما سيصل إليه ربما يكون الجانب الأكثر غموضاً فيه؛ إذ خرجت عملية تطوره المتسارع عن إطار الرصد المعرفي لمستقبله.