وادي حنيفة يستعيد دوره الحيوي بوصفه مصرفاً لمياه الأمطار والسيول

شهد وادي حنيفة الذي ينحدر مخترقًا هضبة نجد باتجاه الجنوب، نقلة نوعية هي الأكبر في تاريخه، بعد خضوعه لعملية إعادة تأهيل وتطوير غير مسبوقة في منطقة الشرق الأوسط، أعادته ليس إلى ما كان عليه قبل التعرض لعمليات التدهور البيئي منذ عقود، بل حوّلته إلى أكبر متنزه مفتوح في المملكة، وأحد أبرز معالم المدينة ومزاراتها الطبيعية. فقد رعى الأمير سلمان بنعبدالعزيزرئيس الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض، في ضحى الاثنين 20 ربيع الآخر 1431 هـ افتتاح مشروع التأهيل البيئي لوادي حنيفة، الذي يمتد على مسافة تزيد عن 80 كيلو متراً، بعد إكمال الهيئة العليا لأعمال تطويره،مفتتحاًسبعة مواقع من عناصر المشروع، ضمت متنزهات مفتوحة، ومحطة المعالجة الحيوية للمياه.

يمثل مشروع التأهيل البيئي لوادي حنيفة أحد ثمار الرعاية والدعم والمتابعة من قبل الأمير سلمان بنعبدالعزيزرئيس الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض والأمير سطام بن عبدالعزيز نائب رئيس الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض حفظهما الله، لكل جزء من أجزاء مدينة الرياض، وأحد صور عناية الهيئة الدائمة بالموارد البيئية وتطويرها لضمان وتعزيز رفاه العيش لأجيال الحاضر مع المحافظة على حقوق الأجيال في المستقبل.

وقد انطلقت الهيئة من تبنيها لهذا المشروع الأكبر من نوعه في المنطقة من منطلق الأهمية الكبيرة والقيمة الاستراتيجية لوادي حنيفة الذي يمثّل رئة مدينة الرياض ومصرف المياه الأكبر في نطاقها الحضري. بعد أن عانى الوادي خلال فترات ماضية من تدني مستواه الحضري، وتعرضه لأنشطة واستعمالات غير ملائمة لطبيعته.

ففي ظهر الاثنين 20 ربيع الآخر 1431 هـ، شهد الوادي حفل تدشين مشروع تأهيله برعاية كريمة من صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بنعبدالعزيزرئيس الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض، بعد إكمال الهيئة العليا لأعمال تطويره، حيث جرى افتتاح سبعة مواقع من عناصر المشروع، ضمت محطة للمعالجة الحيوية، ومتنزهات مفتوحة، وبحيرات.

وقد بدأ الحفل بعرض فيلم وثائقي عن مشروع تطوير الوادي، تلا ذلك القيام بجولة في عدد من أجزاء المشروع، استمع خلالها سمو راعي الحفل ومرافقوه إلى شرح من المهندسعبداللطيفآل الشيخ عضو الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض رئيس مركز المشاريع والتخطيط في الهيئة، عن عناصر المشروع ومكوناته، وما اشتمل عليه من إنشاءات وتجهيزات وتقنيات. وأثناء الجولة تفضل سمو الأمير سلمان بإزاحة الستار عن اللوحات التذكارية للمشروع وعناصره المختلفة.

ويعدُّ برنامج تطوير وادي حنيفة أحد مشاريع التطوير الاستراتيجي المفتوحة التي تتولاه الهيئة في المدينة، ويهدف إلى المحافظة على بيئته الطبيعية ومنع الأنشطة البشرية من الإخلال بمكوناته ومقوماته البيئية، إلى جانب تهيئته للقيام بوظيفته بوصفه مصرفاً طبيعياً للمياه، والمساهمة في تحقيق التوازن المنشود في الاستفادة من مقوماته دون الإضرار بمكوناته، بحيث يتم التحكم في مسببات التلوث البيئي في الوادي، والاستفادة من المورد المائي الضخم الذي يتم صرفه حالياً في الوادي.

وقد انطلقت الهيئة من تبنيها لهذا المشروع الأكبر من نوعه في المنطقة من منطلق الأهمية الكبيرة والقيمة الاستراتيجية لوادي حنيفة الذي يمثل رئة مدينة الرياض، ومصرف المياه الأكبر في نطاقها الحضري.

أحد أسباب الحضارة

ينحدر وادي حنيفة مخترقًا هضبة نجد باتجاه الجنوب بطول يزيد عن 120 كيلو متراً، يمثّل مصرفاً طبيعياً لمياه السيول والأمطار لحوالي 4000 كم 2 من المناطق المفتوحة المحيطة به، تنطلق من نحو 40 واديًا وشعباً من أشهرها:الأبيطح،والعمارية، وصفار، والمهدية،ووبير، ونمار، والأوسط، ولحا،والأيسن، والبطحاء، حتى تختفي آخر قطرة من مياهه وسط رمال «السهباء» المحاذية لمحافظة الخرج.

فمنذ آلاف السنين كان وادي حنيفة كغيره من الأودية الرئيسية أحد أسباب ازدهار الحضارة البشرية في محيطه، لما يوفّره من مياه وأماكن صالحة للزراعة والرعي، وغيرها من مقومات الحياة البشرية.

وتشير الآثار البشرية إلى وجود مستوطنات بشرية منذ عشرات القرون على امتداد وادي حنيفة الذي شكّل شريان الحياة في «إقليم اليمامة»، واشتهر في العصور الجاهلية والإسلامية بحيويته وغلاله، واحتضن على امتداده من الشرق والغرب أهم الدول والمدن والبلدات القديمة التي قامت في المنطقة.

هذه الأهمية التي يكتنزها الوادي تواصلت إبان حكم الدولة السعودية الأولى، والثانية، لاحتضانه عاصمتي الدولتين «الدرعية» ومن بعدها «الرياض» فكان بمنزلة المصدر الأساسي للحياة القائمة على ضفافه، حتى بدايات نشوء الدولة السعودية الثالثة التي أحدثت تحولاً سريعاً في المجتمع من الحياة الريفية إلى الحياة المدنية الحديثة.

اختلال في التوازن الطبيعي

انطلقت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض من تبنيها لهذ المشروع من منطلق معالجة ضريبة التنمية والازدهار الحضري الذي شهدته مدينة الرياض منذ منتصف القرن الماضي، حينما تضاءلت القيمة الاستراتيجية للوادي أمام بروز آفاق جديدة في الرياض في قطاعات الاقتصاد والصناعة والتجارة والزراعة، حتى تحول الوادي إلى مجرى مائي معزول يخترق عمران المدينة، تنتشر فيه أنشطة واستعمالات غير ملائمة لطبيعته.

ومع الازدهار الحضري الذي شهدته مدينة الرياض منذ بدايات السبعينيات من القرن الهجري الماضي، وبروز آفاق جديدة في قطاعات الاقتصاد والصناعة والتجارة والزراعة، تضاءلت القيمة الاستراتيجية لوادي حنيفة، وتحوّل من منطقة تحيط به المستوطنات البشرية من كل جانب، إلى مجرى مائي معزول يخترق عمران المدينة، تنتشر فيه الأنشطة والاستعمالات غير الملائمة لطبيعته، ويتضاءل فيه النشاط الزراعي، ويفتقر إلى العناية التي تحميه من التدهور والتلوث.

وتركز هذا التدهور البيئي والتدني في المستوى الحضري لوادي حنيفة في الأجزاء المحاذية لعمران المدينة، وتمثّل في عدة مظاهر، أبرزها: اختلال مناسيب المياه في الوادي، وتكوّن الحفر في جوانبه، وتوسع الأحياء السكنية في شعابه دون اعتبار لمناسيب الوادي، ونظام جريان الماء فيه، فضلاً عن تراكم المخلفات والنفايات في أرجائه، وظهور عدد من الأنشطة الصناعية الملوثة لمياهه كالمدابغ والمسالخ، وهو الأمر الذي تسبب في انتشار مخلفات المحروقات والمواد «الهيدروكربونية» في الوادي، إضافة إلى صرف مياه المجاري غير المعالجة في مياهه من بعض شبكات الصرف الصحي.

كما أن تراكم هذه المظاهر السلبية أدى إلى تدنّي المستوى الحضري على امتداد الوادي، واختلال النظام المائي للوادي، واستنزاف موارد المياه الأرضية من جهة، وتلوّثها من جهة أخرى، وتكوّن المستنقعات والبرك الآسنة والبحيرات «عالية السمّية» وارتفاع منسوب المياه السطحية، في الوقت الذي شهدت فيه الحياة الفطرية في الوادي اندثاراً تدريجياً، وتناقصاً في البيئة الحيوانية، وانحسار الغطاء النباتي الطبيعي الملائم لبيئة الوادي، وتقلّص النشاط الزراعي.

وقد كانت هذه المظاهر السلبية التي عمّت بيئة الوادي، نتيجة عدم وجود مرجعية تخطيطية دقيقة وشاملة تضبط جميع الأنشطة الزراعية والصناعية والعمرانية في الوادي وفق منهجية موحدة، إضافة إلى عدم وجود جهة معينة تتولى المسؤولية الشاملة عن الوادي من حيث الرقابة والتخطيط وتنفيذ المشاريع.

التطوير عبر مبدأ الحماية

من هذا المنطلق بادرت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض إلى تبني جملة من الإجراءات والتنظيمات التي تهدف إلى إيقاف المصادر الرئيسية للتدهور في بيئة وادي حنيفة، لوقف عملية التدهور المتواصلة منذ عقود، تمهيداً للبدء بتأهيل الوادي ليس للوصول إلى الوضع الذي كان عليه قبل التدهور فقط، بل إلى تطويره وتحويله إلى منطقة جاذبة للاستثمار في مجالات متنوعة، عبر إطلاق برامج التطوير المختلفة.

فبعد أن أصبح وادي حنيفة تخطيطاً وتطويراً ضمن مسؤوليات الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض عام 1406 ه؛ بدأت الهيئة إجراءاتها لوقف التدهور في الوادي، بإقرار مبدأ «الحماية البيئية» للوادي، واعتبار محيطه محمية بيئية، ومنطقة تطوير خاصة تحت إشراف الهيئة، أتبعتها بإجراءات تنفيذية شملت: نقل الكسارات والمصانع إلى مواقع بديلة خارج الوادي، ووقف أنشطة نقل التربة من الوادي، وتنظيم حملات تنظيف متكررة لأجزاء الوادي المتداخلة مع عمران المدينة، جرى خلاله تنظيف وإزالة المخلفات مما مساحته 10 ملايين متر مربع، وإزالة نحو نصف مليون طن من النفايات ومخلفات البناء، إلى جانب وضع ضوابط لتجزئة الملكياتوالحيازاتفي الوادي وروافده، وتحديد مهام الجهات الحكومية ذات العلاقة بالوادي.

خطة استراتيجية

ولكون إعادة تكوين الوادي جغرافياً وطبيعياً وبيئياً يتطلب خطة استراتيجية شاملة، توّجت الهيئة العليا عنايتها بالوادي بوضع “المخطط الشامل لتطوير وادي حنيفة” ليكون بمنزلة الأساس الذي ستُبنى عليه بقية المشاريع التطويرية التنفيذية الحكومية والاستثمارية.

ويهدف المخطط الشامل لتطوير الوادي إلى إصلاح بيئة الوادي الطبيعية والحضرية وتأهيلها من خلال إعادة بيئة الوادي العامة إلى وضع نموذجي، والمحافظة عليها، لتكون منطقة جذب لمدن الوادي وقراه، بحيث تصبح بيئة خالية من الملوثات والمعوقات التي تحول دون إطلاق آليات التعويض الطبيعية في الوادي، وازدهار بيئته النباتية والحيوانية، إضافة إلى توظيف الوادي بعد تأهيله ليكون المتنزه الكبير لسكان مدينة الرياض.

كما يهدف المخطط أيضاً إلى إبراز جماليات المعالم الطبيعية ومقومات الوادي التاريخية وحماية المناطق البيئية الحسّاسة من خلال المحافظة على المواقع الأثرية والتراثية والتاريخية، واستغلال المياه الجارية، وتحقيق التوازن بين بيئة الوادي واحتياجات المدينة.

وتضمن المخطط الشامل تشجيع القطاع الخاص في المساهمة في أعمال التطوير من خلال الاستثمار والتوظيف لإمكانيات الوادي الطبيعية والحضارية بما يتفق مع بيئته، وذلك بعد اكتمال أعمال التأهيل البيئي.

ويتكوّن هذا المخطط من خمسة عناصر رئيسية، هي:

مخطط التصنيف البيئي: ويُعنى بالجانب الفطري في الوادي، إذ يقسم الوادي إلى مناطق لها ضوابط استعمالات مختلفة بحسب حساسية الحياة الفطرية في هذه المناطق، ومتطلبات إثرائها وتنميتها.

مخطط استعمالات الأراضي: ويهدف إلى ضبط النشاط البشري في الوادي فيما يخص الاستعمالات الحضرية، ويحدد جميع أنواع الاستعمالات الممكنة في أجزاء الوادي كله بحسب الظروف البيئية لهذه المناطق.

ضوابط التطوير: وضعت لتكون مرجعاً تنظيمياً يحتوي على المواصفات التفصيلية الدقيقة لما يجري أو يستجدّ في الوادي من استعمالات وأنشطة ورؤية لبرامج التطوير الممكنة في جوانب السياحة والزراعة والمياه والتطوير العمراني الحضري والثقافي.

خطة إدارة موارد المياه: وترمي إلى ضبط الجانب المائي في الوادي من خلال تسوية مجاري السيول، وتأمين أخطاره وإزالة مسببات تلوّثها، وإعادة تدوير المياه المصروفة، وصولاً إلى توظيفها في تنمية الوادي والزراعة واحتياجات المدينة.

مشروع التأهيل البيئي الشامل: ويُعنى بإزالة جميع المظاهر السلبية القائمة في الوادي، وإعادة الوادي إلى وضعه الطبيعي بوصفه مصرفاً للمياه، وإعادة تصميم الخدمات والمرافق بما يتناسب مع بيئة الوادي، ليكون مهيأً لإطلاق برامج التطوير المختلفة.

تأهيل بيئي مستديم

يمثّل مشروع التأهيل البيئي الشامل لوادي حنيفة الأساس الذي تُبنى عليه بقية المشاريع التطويرية التنفيذية الحكومية والاستثمارية التي تضمنتها الخطة الاستراتيجية الشاملة للوادي، ليشكل في نهاية الأمر أكبر متنزه طبيعي يحيط بمعظم أحياء المدينة وضواحيها، ومنطقة جذب واعدة بالفرص الاستثمارية.

ويعمل المشروع على محورين أساسيين: يرمي الأول إلى إعادة وادي حنيفة إلى وضعه الطبيعي بوصفه مصرفاً لمياه الأمطار والسيول وللمياه دائمة الجريان الواردة إلى الوادي من عدة مصادر من المدينة، وجعل بيئته الطبيعية خالية من الملوثات والمعوقات التي تحول دون إطلاق آليات التعويض الطبيعية في الوادي، وازدهار بيئته النباتية والحيوانية، وإعادة تنسيق المرافق والخدمات القائمة بحيث تتناسب مع بيئته.

يعمل المحور الثاني على توظيف الوادي بعد تأهيله ليكون إحدى المناطق المفتوحة المتاحة لسكان المدينة، الملائمة للتنزه الخلوي من خلال إضافة الطرق الملائمة والممرات وبعض التجهيزات الضرورية.

ومن المؤمّل أن تنعكس الآثار الإيجابية لمشروع التأهيل البيئي لوادي حنيفة على مدينة الرياض بشكل عام، وعلى المدن والبلدات والمناطق المحيطة بالوادي.

وقد تحققت العديد من جوانب هذا التأثير بفضل الله، بشكل مباشر على النواحي البيئية، والزراعية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والترفيهية، والسياحية، والخدماتية، والاستثمارية، فمن شأن المشروع تشكيل قاعدة جديدة للتنمية الاقتصادية بمدينة الرياض من خلال تفعيل الموارد والإمكانيات المتاحة التي يتمتع بها الوادي، من خلال دعم وازدهار اقتصاد مدينة الرياض ومحافظة الدرعية والمحافظات الأخرى التي يخترقها الوادي والمناطق المحيطة بها.

فمن بين أبرز عوائد المشروع إعادة الوادي إلى وضعه الطبيعي النموذجي، ورفع مستواه البيئي، ورفع مستوى الأمن الاجتماعي، والسلامة المرورية في الوادي ومحيطه، إضافة إلى إنعاشه للحياة الفطرية في الوادي، وإعادته للغطاء النباتي، ومساهمته في الحفاظ على تراث الوادي الطبيعي والحضاري والعمراني.

ومن عوائد التأهيل أيضاً: تحقيق مبدأ الاستدامة البيئية وتحقيق التوازن البيئي عبر المحافظة على التنوع البيولوجي والتراث الطبيعي للوادي، وتوفير بيئة طبيعية تتميز بالجودة، وتشجيع الأنشطة البشرية الملائمة، وكذلك إدارة موارد المياه، وتحقيق توازن البنية التحتية، واستخدام التخطيط الاستراتيجي والأساليب الحضرية.

ثلاثة مستويات للمياه

وضعت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض، ضمن مشروع التأهيل البيئي لوادي حنيفة، ثلاثة مستويات لتصريف المياه دائمة الجريان على طول نطاق العمل في المشروع الذي يمتد لأكثر من 80 كيلو متراً ابتداءً من شمال طريقالعمارية، حتىالحايرجنوباً، تحافظ على القدرة التصريفية للوادي طوال العام، وتتحمل غمر مياه الأمطار لفترات محددة، في الوقت الذي تحتوي فيه مياه الفيضانات التي قد تحدث في الدورات المناخية كل 50 سنة تقريباً، والمستويات الثلاثة هي:

المستوى الأول: مستوى المياه دائمة الجريان التي تتغذى من شبكات تخفيض المياه الأرضية في المدينة، ومن المياه المعالجة في محطات تنقية الصرف الصحي، ومن شبكات تصريف السيول، وأُعدّ لهذا المستوى قناة مفتوحة للمياه دائمة الجريان مدعمة بالتكوينات الصخرية و «الهدارات» للمساعدة في معالجة المياه، والحفاظ على قدرتها التصريفية طوال العام.

المستوى الثاني: مستوى السيول الموسمية التي تجري في الوادي في مواسم الأمطار، حيث جرى تسوية بطن الوادي بميل دائم باتجاه الجنوب، وميل مقطعي عرضي باتجاه القناة الدائمة. كما جرى تدعيم حوافّ الأودية في بعض النقاط الحرجة، وتدعيم الخدمات والمرافق القائمة في بطن الوادي، بحيث تتحمل غمر مياه السيول لمدة وجيزة، وهو ما تحتاج إليه السيول حتى تنقطع بالتبخّر والتسرّب.

المستوى الثالث: يختص بالفيضانات التي تحدث في الدورات المناخية كل 50 سنة تقريباً، ونظراً لكونها نادرة الحدوث، تمثلت تجهيزاتها في وقف تعديالحيازاتالخاصة على مجاري السيول، وإزالةالردمياتالضخمة من بطن الوادي والشعاب المغذية له.

قناة للمياه الدائمة

بعد أن كانت المياه شبه الراكدة أحد أبرز القضايا الحرجة التي عاناها الوادي لعدة عقود؛ اتخذ مشروع التأهيل من الداء دواءً للمشكلة، وذلك من خلال مواجهة أصل المشكلة المتمثل في (التلوث والركود)، فكان علاج (التلوث) عبر التحكم في مصادر تلك المياه، وتنظيف الوادي، ومنع الاستعمالات الصناعية الملوثة، ووضع نظام المعالجة الحيوية. بينما جاء علاج (الركود) عبر إنشاء قناة تضمن تدفق المياه الدائمة على طول مجرى الوادي.

فعلى شكل خندق مفتوح في بطن الوادي بطول 57 كيلو متراً شقت في بطن الوادي قناة للمياه دائمة الجريان، بعرض متسع نسبي يصل إلى ستة أمتار وبعمق يبلغ 1.5 متر مبطنة بالحجارة، تتبع الميل الطبيعي للوادي من الشمال باتجاه الجنوب والذي يبلغ الفارق بين بدايته ونهايته 300 متر.

وتتغذى هذه القناة من المياه المعالجة الواردة من شبكات تخفيض منسوب المياه الأرضية، إضافة إلى المياه المعالجة من محطات تنقية الصرف الصحي، فضلاً عن الروافد والقنوات الفرعية في بعض الشعاب التي تجري فيها مياه دائمة.

وفي الوقت الذي تضمن فيه هذه القناة المفتوحة جرياناً دائماً للمياه، وبسرعة تحول دون انتشار الحشرات والفطريات الضارة، تساهم في المعالجة الحيوية للمياه من خلال وجود «الهدّارات» المكسية بالأحجار والفلاتر النسيجية، بما يحول دون نمو الأشجار الكبيرة التي قد تغلق مجرى القناة، بينما تزيد الحجارة من التيارات التي تضاعف نسبة الأوكسجين الذائب في المياه لإتمام عملية المعالجة الحيوية.

كما تساهم القناة في زيادة الغطاء النباتي، وزيادة تصريف مياه الأمطار والسيول الخفيفة التي تنحدر إلى مجراها مباشرة، إلى جانب ما تمثله من إضافة جمالية وعنصراً ترويحياً في بطن الوادي، يتناسب مع البيئة المحيطة به وينعش الحياة الفطرية فيها.

نظام معالجة طبيعي

وبهدف المزج بين متطلبات المشروع الوظيفية، وبين المعايير البيئية الصارمة التي وضعها المخطط الشامل لتطوير الوادي؛ لجأ مشروع التأهيل البيئي إلى وضع آلية جديدة هي الأولى من نوعها في منطقة الشرق الأوسط لمعالجة المياه الجارية في الوادي، تستند إلى نظام معالجة طبيعي غير كيميائي، يعتمد عل إيجاد البيئة المناسبة في المجرى المائي لوجود وتكاثر الأحياء الدقيقة التي تستمد غذاءها من المكونات العضوية وغير العضوية في المياه.

وقد جاء اختيار هذا النظام الطبيعي لمعالجة المياه نتيجة انخفاض كلفته التشغيلية، فضلاً عن كونه وسيلة طبيعيةتتواءممع بيئة الوادي، فهو يعمل على تكوين دورة كاملة للسلسلة الغذائية الهرمية لمجموعة من الكائنات الحية التي يمكن أن تعيش في المياه، بحيث يكون المصدران الأساسيان في العملية الحيوية هما ضوء الشمس والأوكسجين، اللذان يساعدان على نمو الأحياء الدقيقة والطحالب، التي تتغذى بدورها بالكائنات الحية المختلفة المنتشرة في المياه ابتداء بالبكتيريا وانتهاءً بالأسماك والطيور.

مزج بين التقنية والطبيعة

اختار مشروع التأهيل البيئي بطن الوادي المحاذيلـ«ميدان الجزائر» في الجزء الجنوبي من مدينة الرياض لاحتضان «محطة المعالجة الحيوية» للمشروع، والتي تهدف بشكل رئيسي إلى زيادة طول جريان المياه، ومن ثم تزويدها بالهواء لزيادة نسبة الأوكسجين فيها، وذلك للمساهمة في نمو الكائنات الحية التي تتخلص من ملوثات المياه.

وقد جرى تشييد هذه المحطة بعرض للقناة الوسطية يصل إلى 15 متراً، بحيث تكون محمية من مياه السيول عبر جدار خرساني عازل مكسو بالصخور الطبيعية، وزودت ببوابة منزلقة على مدخلها والتقائها بقناة المياه دائمة الجريان، تسمح بمرور مياه القناة إلى المحطة، بينما تحجب مرور مياه السيول عنها.

كما أن أحد أوجه المعالجة الحيوية للمياه يتم عن طريق (الهدارات) المعترضة طريق المياه دائمة الجريان، وتتكون هذه الهدارات التي يزيد عددها عن 38 وحدة، من تدرجات صخرية في مجرى المياه داخل القناة تؤدي إلى حوض مائي مفتوح أكثر عمقاً وعرضاً من القناة.

هذه التدرجات الصخرية التي اختيرت مواقعها على أطوال متناسبة، وبحسب طبيعة تكوين الوادي تعمل على زيادة خفقان المياه، ومن ثم زيادة نسبة الأوكسجين الذائب فيها، وعندما تصل المياه إلى الحوض، تتعرض لكميات هائلة من البكتيريا، حيث تجري عملية «التمثيل الغذائي» في الحوض الساكن نسبياً لتسهيل عملية «التمثيل»، ثم تواصل المياه مرورها عبر القناة إلى الهدارة التالية، وهكذا دواليك.

وتمتاز المحطة التي تعمل بنظام الهدارات بقدرتها العالية على المعالجة نظراً لاحتوائها على عدد كبير من الهدارات في مجموعات وأحواض متصلة بقناة المياه الأساسية في المحطة، يبلغ عددها 140 خلية كل خلية بطول 30 متراً، وبعرض ستة أمتار وبعمق مترين، كما زودت خلايا هدارات المحطة جميعها بأنظمة تهوية كهربائية للمياه في حوض الهدارة، لزيادة فاعلية المعالجة، ومن ثم زيادة نسبة الأوكسجين الذائبة في الماء.

متنزه بيئي جديد

ولا يقتصر دور محطة المعالجة على مهامها الوظيفية السابقة فقط، بل تتعدى ذلك لتضفي على الموقع الذي يحتضنها لمسة جمالية طبيعية جعلت من المكان متنزهاً طبيعياً تتوزع في أرجائه الأحواض الصخرية التي تتدفق عبرها المياه المتجددة،وتتوسطهنافورة عالية للمياه تبلغ مساحة بحيرتها نحو 8800 متر مربع، تحيط بها الأشجار والشجيرات المزهرة من كل جانب، ناهيك عن ممرات المشاة المجاورة للمحطة، والمظلات المنتشرة على طول الممرات المزودة بمختلف متطلبات التنزه، من دورات للمياه ومقاعد وظلال ومواقف للسيارات.

خطة لمصادر المياه

تمثل خطة إدارة موارد المياه في وادي حنيفة إحدى ركائز المخطط الشامل للوادي، وهي موجهة لأهم عناصر الوادي، فهي تُعنى بتحسين نوعية المياه، وتحسين تدفّقها، والتوسع في إعادة استعمالها؛ لخدمة المدينة والوادي.

وتهدف خطة إدارة مصادر المياه إلى إعادة الميزان المائي في وادي حنيفة إلى وضعه الطبيعي؛ ليقوم بدوره الرئيس بوصفه مصرفاً لمياه السيول، وتأمين أخطار السيول والتلوث الوبائي، وإعادة استعمال المياه المصروفة وتوظيفها في تنمية الوادي والأغراض الزراعية واحتياجات المدينة.

فالوادي بحد ذاته يغطي نحو 60 % من المساحة الحضرية لمدينة الرياض، ويمثل أحد أهم مصادر المياه في المدينة، فمساحة حوض تجميعه تزيد مساحتها عن أربعة آلاف كيلو متر مربع؛ لذا تعمل هذه الخطة على الاستفادة من المياه المصروفة إلى الوادي على مدار العام، عن طريق معالجته وإعادة استخدامها بشكل آمن في الأغراض الزراعية والصناعية والحضرية.

مخزون استراتيجي

أحد عناصر خطة إدارة موارد المياه في الوادي يتمثّل في برنامج مراقبة تدفق المياه ونوعيتها، حيث تقدّر كميات المياه التي ستصل إلى وادي حنيفة عام 1440 هـ بنحو مليوني متر مكعب في اليوم، وهو ما يساهم في تأمين مصدر ومخزون استراتيجي من المياه بالقرب من المدينة يقدّر حجمه بنحو مليون متر من المياه يومياً، للاستفادة منه في الأغراض الصناعية والحضرية داخل المدينة وأثناء الأزمات.

ممر للخدمات العامة

وبما ينسجم مع شمولية المشروع تظهر هذه الشمولية جليةً في أعمال وبرامج العمل والتطوير ضمن المشروع، التي تمتد إلى إعادة تنسيق المرافق العامة في محيط الوادي، لتحسين وضعه بما يتلاءم ووضعه الجديد ومتطلباته البيئية الحساسة.

فقد اتجه المشروع للعمل في هذا المجال وفق محورين هما:

  • تحويل جميع خطوط المرافق الهوائية إلى خطوط أرضية بالتنسيق مع الجهات المسؤولة عنها.
  • تحديد منطقة ممتدة بطول الوادي، تكون ممراً لخطوط المرافق المحلية المارة عبر بطن الوادي، وتغذي الجهات المستفيدة بالخدمات عبر هذا الممرّ بحسب مواصفات محددة.

فهذا الممر الذي أطلق عليه مسمى «ممر الخدمات العامة» جاء على شكل مسار مرصوف بتربة الوادي الطبيعية بعرض أربعة أمتار، يتلوى محاذياً للطريق المار عبر الوادي، بين الطريق وكتف الوادي لتأمين أكبر قدر ممكن من الحماية له من السيول بالاستفادة من تدعيم الطريق الرئيسي وارتفاع كتف الوادي الجانبي.

وقد خلا هذا الممر من أي تجهيزات إنشائية صناعية، باستثناء رصف تربته السطحية وتسويتها بحيث تصبح ملائمة لاستخدام الحركة الراجلة، ومواقف السيارات الخادمة للطريق، وحددت في هذا الممر مسارات للخدمات العامة (مياه شرب، وكهرباء، وهاتف) عبر خرائط تفصيلية.

طرق صديقة للبيئة

أما فيما يتعلّق بالطرق فتقوم استراتيجية الحركة في الوادي على الحيلولة دون تكوّن طريق رئيسي في الوادي بوصفه ممراً للحركة المرورية العابرة الكثيفة، والاقتصار على الحركة المحلية الخادمة للقاطنين في الوادي والمتنزهين فيه، ومنع حركة المركبات الثقيلة بمنع مسبباتها من المعامل والمصانع، وعدم وصل الطريق بالشوارع الرئيسية في مدينة الرياض لمنع استخدامه في الحركة المرورية العابرة.

فقد جرى إنشاء طريق الوادي بعرض يتراوح بين ستة أمتار وتسعة، وبطول بلغ نحو 42.8 كيلو متر ابتداء من سدّ العلب في الدرعية شمال إلى طريق المنصورية، في مسار جانبي من بطن الوادي، بحيث يكون محاذياً لممرّ الخدمات، ولا يسير في المنتصف بوصف ذلك إجراء احترازي لحماية الطريق من السيول، مع وضع «عبّارات» صغيرة عند تقاطع الطريق وممر الخدمات مع قناة المياه الدائمة، لينتقل مسارهما من أحد جانبي الوادي إلى الجانب الآخر، بما يضمن سلاسة الحركة على الطريق والممر، وانسيابية جريان قناة المياه الدائمة في الوقت نفسه.

وإمعاناً في حماية الطريق من جريان السيول جرى رصف أكتاف الطريق المحاذية لوسط الوادي ومجرى السيل، بطبقتين من الصخور الطبيعية، بعمق مترين في قاع الوادي، كما صمم الطريق بشكل يجعله مهيَّأً نسبياً لغمر السيول والفيضانات، نظراً لارتفاع مستواه عن بطن الوادي ووجوده على المسار الجانبي دائماً، واستواء الطريق، واعتبار مستوى الميل العام في الطريق بما يتناسب مع الميول الطبيعية في الوادي، فضلاً عن مراعاة تصميم الطريق للجوانب الترويحية في الوادي، بما يغطي كل المناطق الجمالية المفتوحة المناسبة للتنزّه في الوادي.

كما جرى إنشاء 22 جسراً ومعبراً عند تقاطع الطريق مع القناة، وتزويد الطريق بمختلف العلامات المرورية التحذيرية والإرشادية والتوجيهية، والتي بلغ عدده أكثر من 730 لوحة تساهم في توجيه وتعريف مرتادي الوادي بما يحتويه من معالم بيئية وطبيعية وخدمات وما يكتنزه الوادي من مواقع بيئية وتراثية.

كما جرى تنفيذ عبّارات على الطريق للوصول إلى الأودية الفرعية، وبعض مداخل المزارع التي تقع فوق قناة المياه دائمة الجريان، وهو ما أدّى إلى تحسين نقاط الاتصال بين مدينة الرياض والوادي.

كما اشتملت أعمال تحسين شبكات الطرق وتطويرها في المشروع على أعمال الإنارة فيمحاذاتطريق السيارات وممرات المشاة، عبر تركيب 2500 عمود إنارة، إضافة إلى 600 وحدة إنارة للجسور ومناطق متفرقة من الوادي، إلى جانب تنفيذ مصليات في الأماكن التي لا تتوفر فيها مساجد، وتنفيذ 30 مبنى لدورات المياه للرجال والنساء موزعة على طول الوادي، فضلاً عن إنشاء مواقف جانبية للسيارات تتسع لأكثر من 2000 سيارة، وتجهيز مواقع للأكشاك 28 وحاويات المخلفات.

47 كم لممرات المشاة

أما ممرات المشاة فتمتد بطول 47 كيلو متراً، في أبرز المناطق الجمالية المتوفرة على طول الوادي إضافة إلى ممرات مرصوفة بطول 7.4 كيلو مترات، وجرى اختيار مواقعها في محيط التكوينات الصخرية البديعة والمناطق المشجرة، وبالقرب من مجاري المياه، مع مراعاة سهولة الوصول إلى هذه الممرات عبر مواقف السيارات المنتشرة حول الضفتين.

وتتكون ممرات المشاة من مسارات ترابية مرصوفة بشكل يسمح بالحركة الراجلة، وعربات الأطفال والمعاقين، وهي محمية بأكتاف من التكوينات الصخرية تعمل بوصفها محددات للممرات، ومزودة بأماكن للجلوس ومواقع مهيأة كاستراحات للتنزه.

النبات يكسو الوادي مجدداً

ووصولاً إلى إيجاد بيئة نباتية تلائم بيئة الوادي انطلقت عملية إعادة الغطاء النباتي في مشروع تهيل وادي حنيفة على عدد من الأسس، من أبرزها: إعادة غرس النباتات التي سبق أن كانت من مكونات الوادي في السابق، واعتماد مستوى تشجير بكثافة يمكن الحفاظ عليه بقدرات الوادي الطبيعية الذاتية من مياه سطحية وجوفية.

وقد شمل برنامج إعادة الغطاء النباتي في الوادي جملة من الإجراءات الأساسية، ضمت:

  • إزالة التربة الملوثة بالمواد الهيدروكربونية من بطن الوادي واستبدالها بتربة صالحة لنمو النباتات من تربة الوادي.
  • تطعيم المناطق المقفرة في الوادي بنباتات ملائمة لطبيعة الوادي عبر نقلها من بعض الشعاب ذات الكثافة النباتية العالية وزرعها في بعض أجزاء الوادي، كأشجار الطلح والسمر والأثل.
  • غرس أشجار النخيل في الأماكن المعدة للتنزه وفي بعض ممرات المشاة.

غرس 30 ألف شجرة

وقد تم في هذا المجال غرس 30 ألف شجرة صحراوية في بطن الوادي، وغرس نحو سبعة آلاف نخلة منها 2100 نخلة تم غرسها في الجزء الواقع من شمال طريقالعماريةإلى سد وادي حنيفة، إضافة إلى غرس 4400 نخلة في الجزء الواقع من جسر العريجاء حتى بحيرات الجزعة، بينما تم غرس 500 نخلة في الجزء الممتد من بحيرات الجزعة إلى سدالحاير.

2000 شجرة ترحل إلى الوادي

طبّق مشروع التأهيل البيئي للوادي آلية مبتكرة غير مسبوقة في المنطقة في مجال إعادة الغطاء النباتي للوادي، تمثلت في نقل ما يقارب 2000 شجرة صحراوية كبيرة من المناطق المحيطة بالوادي، عبر آلية علمية تقوم على رعاية الأشجار المختارة في مواقع صحراوية غير آهلة ولا تحظى بالرعاية المطلوبة، أو الأماكن المعرضة للإزالة، وتهيئة هذه الأشجار للنقل بأساليب علمية، ثم نقلها بطرق خاصة، وصولاً إلى إعادة غرسها في الوادي في مواقع منتقاة تتطابق مع البيئة التي خلعت منها.

كما جرى غرس 50 ألف شجيرة عن طريق الاستزراع من البذور والشتلات الجاهزة، إلى جانب تنفيذ نظام ريّ يدوي يشمل مجموعة من الآبار، وخطوط الري في الوادي، بطول يزيد عن 40 كيلو متراً لري الأشجار في أوقات الجفاف.

وشملت الإجراءات التي اتخذتها الهيئة لإعادة الغطاء النباتي في المشروع؛ تطعيم المناطق المقفرة من النباتات في الوادي بنباتات تنبت طبيعياً في الوادي عبر نقلها من بعض الشعاب ذات الكثافة النباتية العالية، وغرسها في بعض أجزاء الوادي المقفرة، كأشجار الطلح والسمر والأثل.

9 متنزهات مفتوحة

وفي جانب متصل تنبهت الهيئة مبكراً إلى الحاجة الملحة إلى إنشاء عدد من المتنزهات على ضفاف وادي حنيفة كي تكون متنفساً طبيعياً لزوار الوادي للاستفادة من مقومات الوادي الطبيعية في أعمال التنزه والترويج، فقد تضمن المشروع تهيئة أجزاء كبيرة منه لتكون متنزهات عامة لسكان الرياض وزائريها.

ويشكّل سد العِلْب أحد هذه المتنزهات التي شيدت ضمن مشروع التأهيل البيئي للوادي، ويقع إلى الشمال من الدرعية التاريخية بثمانية كيلومترات، وتجتمع فيه مياه السيول المتدفقة من شعيبيالحيسيةوالعماريةبعد هطول الأمطار ليكون بحيرة طبيعية.

وقد اشتملت أعمال التأهيل في متنزه السدِّ على إقامة ممرات للمشاة بطول 5.5 كيلو متر، وجلسات للمتنزهين تشمل 93 جلسة، ومواقف للسيارات على جوانب الطريق تتسع لـ 200 سيارة، إلى جانب رصيف للمشاة بطول 2 كيلو متر مزوّد بالإنارة والتشجير، شمل ذلك غرس 2000 شجرة من الأشجار الصحراوية، وغرس 500 نخلة على رصيف المشاة، وإنشاء دورتي مياه، فضلاً عن تنظيف الوادي وإزالة المخلفات من بحيرة السد.

وفي الإطار ذاته تم تأهيل متنزه آخر على سد وادي حنيفة بسعة تبلغ 27 جلسة، وزود بممر للمشاة بطول 5600 متر، بينم رصفت ممرات المشاة بمحاذاة مصلى العيد في البديعة بطول ثلاثة آلاف متر، بينما أحيطت منطقة المعالجة الحيوية ب 52 جلسة ورصفت بممرات للمشاة يزيد طولها عن 1100 متر.

3 بحيرات طبيعية

كما أقيمت إلى جوار السد الحجري سبع جلسات للتنزه تحيط ببحيرة السد، ورصف محيط السد بممرات للمشاة بطول 4500 متر، تطل جميعها على البحيرة التي أقيمت عند السد بمساحة تبلغ 10 آلاف متر مربّع وبعمق يصل إلى مترين.

وأقيمت 22 جلسة عند بحيرة المصانع، ورصف جوارها بممرات للمشاة بطول 4100 متر، بينما بلغت مساحة البحيرات 40 ألف متر مربع، بعمق يصل إلى 10 أمتار.

وبدورها شيد إلى جوار بحيرات الجزعة 37 جلسة، ورصف محيطها بممرات للمشاة بطول 5400 متر، وبلغت مساحة البحيرات 35 ألف متر مربع، بعمق يصل إلى ثلاثة أمتار.

أما حوض سد وادي نمار فشيد إلى جواره 30 جلسة، ورصف محيطه بممرات للمشاة بطول 2500 متر، في حين شيد في حوض سد وادي لبن 20 جلسة، ورصف بممرات للمشاة طوله 4050 متراً.

وفي الإطار ذاته جرى تنفيذ وتحسين بعض الأراضي الحكومية في بطن الوادي بما يلائم بيئته وطبيعته، وبما يحميه من التعديات، وجرى غرس أشجار النخيل في مجمل هذه المتنزهات، ورفعت المظلات التي تُطِلُّ على المجرى المائي، لمراعاة مطلب الخصوصية لدى المتنزهين، في الوقت الذي صممت الجلسات في هذه المناطق الترويحية بالخدمات الضرورية، وأماكن للجلوس المرتفعة عن مستوى سطح الأرض، لتطل مباشرة على المجرى المائي.

كم أن عناصر المشروع مجتمعة جعلت من بيئة الوادي على طول امتداده مكاناً ملائماً لممارسة رياضة المشي، لما يتوفّر فيها من عناصر السلامة والأمن والجمال، والملائمة لحركة الإنسان الطبيعية، فممرات المشاة المنتشرة في الوادي تتكون من مسارات ترابية مرصوفة بشكل يسمح بكل أنواع الحركة، ومحمية بأكتاف من التكوينات الصخرية، وتعمل بوصفها محددات للممرات، وجميعها مزودة بماكن للجلوس والاستراحة.

محميات طبيعة بمساحة 310 كم

وفي الجانب التنظيمي دعم المشروع الأنشطة الزراعية في معظم أجزاء الوادي من خلال قصر استعمالات الأراضي على هذا النشاط، واعتماد مناطق التصنيف البيئي باعتبار بعض أجزاء الوادي محميات طبيعية، نظرًا لما تحويه من حياة فطرية نادرة، حيث جرى تحديد ثلاث مناطق محمية في منطقة الوادي، تشمل:

  • محمية واديالحيسيةالتي تقع في أعالي واديالحيسيةجنوب منطقة سدوس وتبلغ مساحتها 130 كيلو متر مربع.
  • محمية عالي وادي لبن وتقع في الأجزاء العليا من وادي لبن وتبلغ مساحتها 150 كيلو متراً.
  • محمية جنوبالحايروتقع جنوب بلدةالحايروتبلغ مساحته نحو 30 كيلو متراً مربعاً.

كما جرى التأكيد على الجهات المعنية بمنع تملك أو إعطاء حق الاختصاص على أية أراض تقع ضمن حدود هذه المحميات، وكذلك منع توسيع وتغيير الأنشطة القائمة حالياً داخله إلا بموافقة الهيئة.

روافد للحياة الفطرية

وتشكل محميات وادي حنيفة أساساً ورافداً للحياة الفطرية الحيوانية والنباتية لما تزخر به من العديد من الكائنات الحية، إلى جانب خصائص الوادي الطبيعية، وبخاصة في الجزء الشمالي منه، حيث تتكون أرضه من خليط من السهول الرسوبية الخصبة، والهضاب المنبسطة التي تتخللها شعاب ومجاري مياه تشكل مصدراً حيوياً لنمو النباتات البرية.

وتضم هذه المحميات أنواعاً عديدة من الأشجار مثل: أشجار الأثل، والحمض، والعرفج (ذو الأزهار الصفراء)، والعوسج، والسلم، والطلح، والسدر، والحرمل، والسمر، والسرح، والطرفاء،والخشير(شوك الحمار)، وعين البقر (العرصم)، واللوز (العرم)، والسنط.

ومن مظاهر الجذب الطبيعي في وادي حنيفة «الأزهار» ومنها:الرندوالعرار والقيصوم والشيح والجثجاث ومن الأعشاب: النفل، والرقم، والحوذان، والأقحوان، والحنوة، والخزامى.

موطن للطيور المهاجرة

ونظراً لما يتميز به وادي حنيفة من حياة بيئية ثرية ومتنوعة؛ فقد كان مصدر جذب للطيور المهاجرة والمستوطنة، فمن الطيور التي تعبره في هجرتها السنوية: الذعرة واللقلق والسنونو.

ويعدُّ النطاق الجغرافي للوادي منطقة عبور مرتين في العام في فصلي الخريف والربيع لبعض الطيور المهاجرة، ومنها: الدخل والقمري والسمان والرهو والعقبان.

ومن الطيور التي تعبر الوادي في فصل الصيف: الخرشنة واليمام المطوق، وتستوطن الوادي طيور ألفت بيئته وتشكل مجموعات كبيرة من الطيور، منها القطاة، والحجل، وأنواع من القبرات من بينها الهدهد.

كما يضم نطاق الوادي الجغرافي أنواعاً من الطيور المفترسة كالصقور الجارحة، وفصائل عديدة من النسور، والطيور الكبيرة كالحباري والسلماني والحجل والزقزاق والحمام البري.

وتستوطن الوادي طيور البط والوز، والبوم والبلابل،والزرازير،والسمونية، والغربان، والزقزاق، والكرك.

وأدّى وجود المياه الجارية في الجزء الجنوبي من الوادي وتجمعها على شكل بحيرات دائمة، إلى توفّر بيئة صالحة لوجود الكائنات المائية والطيور وتكاثرها، كما أدّت البيئة الفطرية الغنية بالأشجار والمياه الدائمة الجريان والأعشاب إلى جعل الوادي موطناً لمجموعة كبيرة من الكائنات الدقيقة والحشرات، كالفراشات الملونة،والخطافيةالمعروفة بفراشات الليمون، وفراشات شجرة الدفلة، فضلاً عن مجموعات من الزواحفكالسنقور،والعضرفوطالمسماة أم حبين، والوزعة، والضب آكل النبات، والورل.

ضوابط للتطوير

تضمنت الخطة الشاملة لتطوير الوادي وضع أنظمة بناء تلائم بيئته العمرانية التاريخية ذات الطابع العمراني المميز. فقد وضعت الهيئة ضوابط واضحة للتطوير تشتمل على اللوائح الإجرائية، والضوابط التأهيلية والتطويرية اللازمة، وأسس الضوابط البيئية، ومحددات التطوير وضوابطه، وأسس وضوابط تنفيذ المرافق العامة الكفيلة للنهوض بالوادي.

كما وُضعت تنظيمات إدارية في مجال الملكيات الخاصة، تتعلّق بعدم إصدار حجج استحكام جديدة للأراضي في الوادي، إلا بالتنسيق مع الهيئة العليا والجهات ذات العلاقة، للتأكد من عدم تداخل هذه الأراضي مع مجاري السيول، كما أُقرت تنظيمات خاصة تتعلق بتسوير الملكيات الخاصة بما يتناسب وبيئة الوادي.

وتُعدُّ هذه الضوابط مرجعاً تنظيمياً بالمواصفات التفصيلية الدقيقة لما يجري أو يستجد في الوادي من استعمالات وأنشطة، كما تعد بمنزلة رؤية لبرامج التطوير الممكنة التي تستثمر إمكانيات الوادي وفق قدراته في السياحة والزراعة والتطوير العمراني الحضري والثقافي.

حماية المواقع التاريخية

وفي هذا الصدد سنّت الهيئة ضوابط عمرانية لتطوير المواقع التاريخية في الوادي من شأنها حفظ خصائصه العمرانية وتطويرها ثقافياً وبيئياً واجتماعياً، وربطها بالأحياء المحيطة بالوادي، وحماية المناطق التاريخية من امتداد الممتلكات الخاصة عليها، وتوظيف خصوصياتها التاريخية والعمرانية، فضلاً عن أعمال الصيانة المباشرة لأعمال التشجير والتنسيق، وتحديد أهداف الرعاية للوادي، والمشاركة الطوعية من قبل الأفراد والمؤسسات.

مواصفات لأسوار الملكيات

وفي الإطار ذاته، وضعت تصاميم ومواصفات لأسوار المزارع القائمة، وبخاصة الأجزاء الظاهرة لمرتادي الوادي، أو المشرفة على بطن الوادي لتحقيق التجانس المطلوب بين عناصر الوادي الطبيعية، حيث وُضعت هذه المواصفات وفق شروط عامة، ومواصفات فنية، من بينها تلبيس السور بحسب الحدود الموضحة بصك الملكية، ومراعاة التقليل من فروق الارتفاعات بين أسوار المزارع المتجاورة، وتلبيس جميع الأسوار المطلة على الوادي مباشرة، والأسوار الداخلية بحجر الرياض، واستخدام موادّ متجانسة مع لون الحجر ضمن مقاسات معيَّنة، ووضع فتحات في أسفل الأسوار عند مواقع جريان السيول، وتلافي جعل زوايا الأسوار حادة، واعتماد شكل البناء التقليدي.

وتطمح الهيئة من خلال هذه الإجراءات إلى المحافظة على العمارة التقليدية في الوادي بوصفها عمارة تراثية عريقة، مع التأكيد على الأدوار التي يتولاها الملاك والمواطنون في المحافظة على هذا التراث العمراني.

فالبناء بالطين الذي يشكّل العنصر الطاغي في عمارة الوادي التراثية يشكّل أحد العناصر الجاذبة والمهمة في السياحة الثقافية، وأحد مكونات برنامج التأهيل والتطوير لبيئة الواحات في الوادي ومواقعه الأثرية.

ضوابط بيئية

وعلى الصعيد ذاته، وضعت الهيئة ضوابط بيئية توفّر الأسس اللازمة للتجدد البيئي وصحة البيئة ونوعية الحياة في وادي حنيفة، لمراقبة وتقييم تأثير التطوير وتلوث الماء والهواء والتربة على البيئة، إضافة إلى زيادة الوعي والثقافة البيئية لدى السكان.

2 مليار ريال فرص استثمارية

وبهدف تنظيم برامج التطوير الممكنة التي تستثمر إمكانيات الوادي وفق قدراته في السياحة والزراعة والتطوير العمراني الحضري والثقافي؛ وضعت الهيئة ضوابط ومحددات للتصميم في عملية التطوير لكامل استعمالات الأراضي المصرح به ضمن حدود وادي حنيفة، بما يتيح للقطاعين الحكومي والخاص المساهمة في تطوير الموارد البيئية والتراثية والترويحية والمائية في الوادي وفق معايير محددة.

فمشروع التأهيل البيئي الشامل لوادي حنيفة يعد الأساس الذي تُبنى عليه بقية المشاريع التطويرية التنفيذية الحكومية والاستثمارية التي تضمنتها الخطة الاستراتيجية الشاملة للوادي، ليشكل في نهاية الأمر أكبر متنزه طبيعي يحيط بمعظم أحياء المدينة وضواحيها، ومنطقة جذب واعدة بالفرص الاستثمارية.

وقد توقعت دراسات الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض أن يجتذب مشروع تأهيل وادي حنيفة استثمارات من القطاعين الخاص والعام تقدر بـ 2 مليار ريال في مجالات الزراعة والسياحة والترفيه، وقد أعدت حقائب استثمارية للمشاريع الترويحية المزمع طرحها للقطاع الخاص في الوادي، فضلا عما يساهم فيه المشروع من رفع للقيمة الحضرية للأحياء المحيطة بالوادي بشكل خاص، والمدينة بشكل عام.

قاعدة معلومات جغرافية

وتيسيراً للوصول إلى المعلومات والبيانات ومخرجات الدراسات البيئية المختلفة التي تشكلت لدى الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض عن وادي حنيفة بشكل خاص والمدينة بشكل عام، أنشت الهيئة «قاعدة المعلومات الجغرافية لوادي حنيفة والمعلومات البيئية» لتساهم في دعم اتخاذ القرار البيئي، وأعمال المتابعة والرصد للمتغيرات والتعديات في الوادي، وذلك عبر استخدام تقنيات نظم المعلومات الجغرافيةGISوأحدث برامج تشغيل وتصفح قواعد المعلومات.

جوائز عالمية تلتقي في الوادي

حصد مشروع التأهيل البيئي لوادي حنيفة العديد من الجوائز العالمية كغيره من برامج التطوير التي تبنتها الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض، فقد نال المخطط الشامل لتطوير وادي حنيفة اهتمام وإعجاب كثير من الخبراء والمختصين في مختلف دول العالم، وهو ما أهّله للحصول على جائزة مركز المياه بواشنطن في الولايات المتحدة الأمريكية كأفضل خطة لتطوير مصادر المياه على مستوى العالم لعام 2003 م، من بين 75 مشروعاً قدمت من 21 دولة.

وقد تم عرض هذا المخطط في المؤتمر السنوي لمركز المياه الذي عقد في مونتريال بكندا حينها، حيث أعدت لجنة التحكيم المكونة من عدد من الخبراء يمثلون مختلف دول العالم «هذ المشروع يمثل بادرة رائدة في المخططات الشاملة»، كما وصف المخطط بأنه «مشروع عالمي ويضع معايير عالمية جديدة،» وأثني في المؤتمر على الرؤية المستقبلية والدقة المتناهية التي اتسم بها المشروع.

وفي ختام المؤتمر طلبت لجنة التنمية المستدامة في الأمم المتحدة عرض المخطط الشامل لتطوير وادي حنيفة في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، وقد قام فريق من الهيئة بعرضه هناك حينها.

كما فاز مشروع التأهيل البيئي لوادي حنيفة بالمركز الثاني والجائزة الذهبية في جانب المشاريع البيئية في جائزة مؤسسة الجائزة العالمية للمجتمعات الحيوية في لندن ببريطانيا للعام 2007 م.

وتركّز هذه الجائزة على إدارة البيئة وإنشاء مجتمعات نشطة مفعمة بالحيوية، وتهدف إلى تطوير ونشر التجارب الناجحة في العالم، وتشجيع نهج أفضل أساليب الممارسة والإبداع والقيادة الرائدة لتحسين نوعية حياة السكان في المجتمعات.

وكان قد رشّح لمسابقة الجائزة العالمية للمجتمعات الحيوية لعام 2007 م أكثر من 260 مدينة من أنحاء العالم كافة في حقل المدن، ترشح منها للمنافسة النهائية على الجائزة 39 مدينة، كما رشح للجائزة 160 مشروعاً في حقل المشاريع بشقيه البيئي والإنشائي، ترشح منها للمنافسة النهائية على الفوز بالجائزة 29 مشروعاً.

وتمنح الجائزة من قبل مؤسسة الجائزة العالمية للمجتمعات الحيوية، وهي مؤسسة غير ربحية تأسست عام 1997م وتتخذ من مدينة لندن بالمملكة المتحدة مقراً لها، وتعمل برعاية برنامج الأمم المتحدة للبيئةUNEP،وتترشح للجائزة المشاريع المنجزة أو التي قيد الإنجاز التابعة للقطاعين العام أو الخاص.

وتساهم هذه الجائزة في إبراز المدن والمشاريع المشاركة في منافساتها، وإتاحة الفرص لتبادل الخبرات والتجارب حول أفضل قواعد الممارسة الدولية في إدارة البيئة، وإدارة المناظر الطبيعية، وإدارة التراث وتدعيم المجتمعات والتخطيط التقدمي. وتنقسم الجائزة إلىجزئينيعنى الأول بالمدن والآخر بالمشاريع. وتعقد دورة جديدة كل عام في مدينة يتم اختيارها من قبل اللجنة المنظمة للجائزة.