تجارب ثريّة في مسيرة التنمية العمرانية بالرياض

تزخر تجربة مدينة الرياض العمرانية بالعديد من التغيرات والتحولات منذ الخمسينيات الهجرية من القرن الماضي حتى الآن، وكان العنصر المشترك في جميع هذه التغيرات هو تسارع حركة النمو والتطوير والتنظيم في المدينة بصيغ ونتائج متصاعدة في الوصول إلى الهدف المنشود.

هذه التجربة استعرضها نيابة عن المهندس عبداللطيف بن عبدالملك آل الشيخ عضو الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض رئيس مركز المشاريع والتخطيط بالهيئة، المهندس أحمد السبيل مدير عام التخطيط الحضري الاستراتيجي في الهيئة، في ندوة التنمية العمرانية الأولى التي عقدت في مدينة الدمام خلال الفترة من 17 إلى 19 ذو القعدة 1431 هـ.

تعد تجربة الرياض الحضرية عموماً، والعمرانية منها خصوصاً، تجربة حريّة بالدراسة والتحليل، فهي تجربة ثرية من حيث الواقع العمراني للمدينة، وما شهدته من منعطفات كبيرة في الحجم والنوع، أملتها طبيعة الازدهار الحضري الذي عم سائر مدن المملكة العربية السعودية عموماً، ومدينة الرياض خصوصاً.

كما أن هذه التجربة، كانت ثرية من حيث المنهجية التخطيطية الموحّدة، ثم التخطيط الاستراتيجي الشامل، فهي تجربة تجمع بين الاستجابة الكبيرة لمستجدات التنمية الآنية، وبين تحقيق الرؤية المستقبلية في ضوء الخطط الاستراتيجية بعيدة المدى.

تجربة الرياض العمرانية

أما من حيث التجربة العمرانية، فقد ظلت الرياض محتفظة بعمرانها التراثي الأصيل إلى الخمسينيات الهجرية من القرن المنصرم، عندما بدأ استخدام مواد البناء الحديثة على نطاق محدود، وبدأت المدينة تتوسع بشكل متسارع بحكم تنامي مكانتها الوطنية.

وفي مرحلة السبعينيات الهجرية، شهدت الرياض نقلة كبيرة في العمران، استجابة لتوجهات الدولة بتكريس مكانة الرياض كعاصمة للبلاد، حيث أزيلت الأسوار بعد أن تجاوزها العمران، وأنشئت المقرات الحديثة في وسط المدينة الحالي، وبدأ تأسيس شبكات المرافق العامة والنقل.

ثم شهدت التسعينات الهجرية نقلة أخرى، تمثلت في ظهور المخططات التوجيهية، واستجابة المدينة للمتطلبات الحضرية التي تليق بالعاصمة، حيث أنشئت المشروعات الحضرية الكبرى، كمنشآت قصر الحكم، وما تحتويه من مؤسسات الدولة، وانتشرت الأحياء السكنية الحديثة باتجاه المحور الشرقي والشمالي.

ومع بداية القرن الحالي، حدثت نقلة أخرى تمثلت في التوسع الكبير في عمران المدينة، استجابة للنمو الاقتصادي الكبير، والمكانة السياسية الدولية، والاقتصادية المرموقة التيتبوأتهاالمملكة على كل الأصعدة.

فأنشئ حي السفارات، ومجمع إسكان منسوبي وزارة الخارجية، وتبلورت القيمة الحضرية والاقتصادية لعصب الأنشطة المركزي، كما أنشأت عشرات الأحياء السكنية الجديدة في جميع المحاور، وظهرت المدن الصناعية، ومطار الملك خالد الدولي، والمقرات الحضرية الحديثة لمؤسسات الدولة الخدمية والإدارية، ومجمعات إسكان منسوبيها.

تجارب تخطيطية

وأما من حيث المنهجية التخطيطية، فقد شهدت الرياض تحولات كبيرة منذ أن بدأت أولى تجاربها التخطيطية، باعتماد المخطط التوجيهي الأول عام 1391 هـ، تلاه المخطط التوجيهي الثاني، وكان تأسيس الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض، قد جاء في عام 1394 هـ كسلطة توجيهية مشتركة عليا مكونة من الجهات المعنية بإدارة المدينة في قطاعاتها المختلفة، وأسندت إلى الهيئة مهمة تطوير المخططات التوجيهية السابقة.

وقد جاء تشكيل الهيئة استجابة لتوجيه الدولة في حشد السلطة المرجعية الضرورية، والإمكانات الإدارية الكافية لتهيئة الرياض لتكون عاصمة حديثة، قادرة على القيام بأعباء الدور السياسي والاقتصادي العلمي الذيتبوأتهالمملكة بفضل الله.

ولتنفيذ مهام الهيئة التنظيمية والتخطيطية والتنسيقية، تأسس مركز المشاريع والتخطيط التابع للهيئة في عام 1403 هـ ليكون بمثابة ذراع تشغيلية للهيئة، يتولى مهامها التنفيذية.

مبدأ التخطيط الاستراتيجي الشامل

كما اعتمدت الهيئة مبدأ التخطيط الاستراتيجي الشامل، الذي يجعل من التخطيط لمستقبل المدينة، عملية مستمرة، تقوم على المرونة التي تستوعب التغيرات الكبيرة في واقع المدينة، وما تمليه ظروف التنمية من فرص وتحديات، وتستوعب في الوقت نفسه، الأهداف الاستراتيجية البعيدة المدى، عبر التخطيط الشامل الذي يستوعب جميع العوامل المؤثرة في الأداء الحضري للمدينة، والمعالجات الجذرية لمتطلبات المدينة المستقبلية. وقد تحقق ذلك، بحمد الله، بإنجاز المخطط الاستراتيجي الشامل لمدينة الرياض الذي اعتمد عام 1424 ه.

وفي الوقت الذي يطول فيه تتبع الحالة العمرانية لمدينة الرياض، والتطورات التي شهدتها من خلال المنعطفات التنموية الكبرى، واستيعاب المنهجية التخطيطية، والخطط التطويرية التي اعتمدها المخطط الاستراتيجي لتحقيق التنمية العمرانية المستدامة، لذا يقتصر الحديث عن الجوانب التخطيطية والأمثلة التنفيذية التي جمعت بين الاستجابة لمستجدات التنمية الآنية، وخطط التطوير بعيدة المدى في المخطط.

تعددية المراكز الحضرية

فقد هدف المخطط الاستراتيجي، إلى تعددية المراكز الحضرية للمدينة، من خلال اعتماد نظام متكامل من المراكز الفرعية والضواحي الجديدة الواقعة على مسافات متناسبة مع كثافة النسيج العمراني للمدينة، ترتبط ببعضها عبر شبكة من أعصاب الأنشطة.

ويأتي هذا التوجه لإخراج المدينة من حال أحادية المركز، ونمطية الانتشار الأفقي لعمرانها، وما يفرضه من أعباء على مرافق المدينة العامة وخدماتها.

وتتكون هذه المراكز الفرعية، من مناطق ذات كثافات عمرانية عالية، تتمركز فيها المرافق الخدمية، والمنشآت التجارية، والأنشطة الاقتصادية، لخدمة نطاق شعاعي من الجوار السكني المحيط بهذه المراكز، إضافة إلى الوحدات السكنية الكافية للساكنين في هذه المراكز.

وستسهم المراكز الفرعية في تطوير عمران المدينة، من خلال التوزيع المتكافئ للخدمات على مختلف أجزاء المدينة، ومرونة التخطيط العمراني، وتنظيمات البناء، التي تتيح تنوعاً عمرانياً في تصميم هذه المراكز وتخطيطها، تبعاً لتنوع وظائفها، وخصائصها، وتخفيف الضغط على المرافق العامة، ومرافق النقل في المدينة.

وقد كان تأسيس مركز الملك عبدالله المالي في مدينة الرياض، فرصة كبيرة لتنمية اقتصاد العاصمة المالي، وكان نظام المراكز الفرعية،مواتياًلتحقيق المتطلبات التخطيطية والتنظيمية واستيعاب عمران المركز وأنشطته الكثيفة ضمن النسيج العمراني للجوار المحيط به، كما أن الهيئة اعتمدت، بحمد الله، المخططات الأولية لإنشاء المركز الفرعي الثاني في شرق المدينة.

أنماط تخطيط مختلفة

كما اعتمد المخطط، على المدى الطويل، إنشاء ضاحيتين أساسيتين في شرق المدينة وشمالها، بهدف توفير بيئة عمرانية حضرية، تقدم أنماطاً حديثة من التخطيط العمراني، والتصميم العمراني الذي يتناسب مع توجهات العمارة الحديثة، ومفاهيم الاستدامة.

وتهدف الهيئة في جعل هاتين الضاحيتين، مناطق مستقلة في جوانب المرافق العامة والخدمات، والموارد الاقتصادية عن المدينة، في الوقت الذي تتصل فيه بالنسيج العمراني العام للعاصمة، عبر مستويات مختلفة من المناطق العازلة وأعصاب الأنشطة.

وقد جاء تصميم الضاحيتين مناسباً لاستيعاب مبادرات التطوير العمراني الكبرى في الضاحية الشمالية، كمشروع درة الرياض السكني، الذي يقع على مساحة تقارب 2.5 مليون متر مربع، ومشروع الشركة العقارية على مساحة تناهز مليوني متر مربع.

مرونة في أنظمة البناء

كما شكّلت المرونة التخطيطية في مجال استعمالات الأراضي وتنظيمات البناء، بيئة مناسبة للاستجابة للاحتياجات العمرانية الملحّة في واقع المدينة، وخصوصاً في قطاع الإسكان، فقد كان التركيز على تطوير هذه الأنظمة والاستعمالات بهدف الموازنة بين الاحتياجات العمرانية، وسبل توفير متطلباتها الآنية الملحّة، وبين عدم الإضرار بمرافق المدينة العامة، وخدماتها، ونسيجها العمراني القائم، ومقومات بيئتها الطبيعية.

فكان لتنظيم استعمالات الأراضي، والجمع بين الحاجة لتطويرها، والحاجة لتنمية موارد اقتصاد المدينة، وفرص العمل الضرورية لسكانها، دور محوري في إطلاق محاضن عمرانية لأنماط حديثة من الاقتصاد التقني والمعرفي المتقدم.

ومن ذلك تأسيس مجمع تقنية المعلومات والاتصالات، ومشروع وادي الرياض للتقنية، والمشاريع الكبرى التي يجري تنفيذها في منطقة مطار الملك خالد الدولي، كجامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن، وجامعة الأمير نايف للعلوم الأمنية، والمدينة الطبية، إضافة إلى مجمع الدوائر الحكومية.

إعادة رسم خط سماء الرياض

كما كان لتطوير أنظمة البناء وإكسابها قدراً من المرونة لخدمة التنمية الاقتصادية والعمرانية، دور كبير في ظهور عدد من المشاريع العمرانية الكبيرة في المدينة.

فكان لإطلاق الارتفاعات في منطقة العصب المركزي وفق ضوابط محددة، دور كبير في إعادة رسم خط سماء الرياض، وظهور المعالم العمرانية الحديثة للمدينة، والتي لا يزال الكثير منها تحت التخطيط والإنشاء.

وكان أيضاً، لاعتماد تنظيمات بناء مرنة، ومناسبة مع الخصائص الوظيفية للمشاريع الكبرى التي تزيد مساحتها على 80 ألف متر مربع، دور في اعتماد إنشاء 14 مشروعاً عقارياً متكامل المرافق والخدمات تبلغ مساحتها الإجمالية أكثر من 34 مليون متر مربع، ستوفر بإذن الله نحو 90 ألف وحدة سكنية لسكان المدينة.

كما أسهمت تنظيمات البناء المطورة على الشوارع التي يزيد عرضها على 40 متراً، في السماح بزيادة المساحات العمرانية القائمة على هذه الشوارع بما يعادل 33 في المائة، للاستعمالات المتعددة، ونسبة 66 في المائة للاستعمالات السكنية.

وستتيح تنظيمات البناء على الشوارع التي يزيد عرضها على 40 متراً، السماح بزيادة الأدوار ما بين أربعة إلى ستة أدوار، إحداث نقلة عمرانية كبيرة في العقارات المشمولة بهذه التنظيمات.

وعلى سبيل المثال وفرت إعادة تنظيمات البناء على الشوارع بعرض 30 متراً و36 متراً داخل الأحياء السكنية، ما يقارب 50 ألف وحدة سكنية جديدة منذ صدور القرار في عام 1425 هـ، ولا تزال في ازدياد، فضلاً عن دور هذه التنظيمات في حماية البيئة السكنية داخل الأحياء المحاذية لهذه الشوارع.

خطط تنفيذية لتطوير المرافق

وانطلاقاً من الدور الاستراتيجي للمرافق العامة، والخدمات والنقل، وبالنظر إلى طبيعة هذه العناصر الحيوية للمدن، والمتطلبات الكبيرة لتأسيسها، وضعت خطة استراتيجية بعيدة المدى لتحقيقها في واقع المدينة، تجمع بين تطوير التخطيط، وتقنيات التأسيس والتشغيل، وتطبيق مناهج الاستدامة والإدارة الذكية، وتطوير موارد التمويل.

وللجمع بين متطلبات التخطيط البعيدة المدى لتوفير هذه القطاعات، والقدرة في الوقت نفسه على الاستجابة لمتطلبات التنمية الآنية، وضعت خطط تنفيذية لتطوير هذه المرافق، تتسم بمرونة عالية من حيث توقيت التنفيذ ومكانه وطبيعته.

محاور لتطوير قطاع النقل

فعلى سبيل المثال، يتضمن تطوير قطاع النقل في المدينة، عدداً من المحاور، تشمل تطوير شبكة الطرق، وتحسين الإدارة المرورية، وتطوير النقل العام، إضافة إلى تحقيق متطلبات هذه المحاور في بقية القطاعات التطويرية في المدينة.

ففي محور تطوير شبكة الطرق، اعتمد المخطط «الخطة المستقبلية لتطوير شبكة الطرق في المدينة » على مدى 20 سنة مقبلة، ووضع لها برامج تنفيذية خمسية، تتسم بالمرونة في التنفيذ، والتكامل في الأداء.

وهذا النظام يتيح للمدينة، الاستجابة للتغيرات التنموية الخارجة عن الجدولة الزمنية في المخطط الاستراتيجي لكل فعاليات التنمية.

وعندما اعتمدت الدولة تأسيس المشاريع الاقتصادية والحضرية الكبرى في منطقة المطار، التي تأتي ضمن التوجهات التنموية لاقتصاد المدينة، وتنويع مواردها، كان من المتيسر تحديد ما تحتاجه هذه المنشآت من شبكة طرق حديثة لخدمتها بطول 325 كيلو متراً، واعتماد 150 كيلو متراً منها خلال السنوات الخمس القادمة، وهي تستجيب لاحتياجات هذه المشاريع الحضرية، وتتوافق مع خطط تطوير النقل في المخطط الاستراتيجي.

عناية قصوى بحماية البيئة

أما حماية البيئة، فقد حظيت بعناية المخطط الاستراتيجي القصوى، كونها تمثل عنصراً مهماً في استدامة التنمية الحضرية، والتنمية العمرانية، ينعكس هذا الاهتمام في التشكيل الواسع للجنة العليا لحماية البيئة التي تضم 17 جهة لها علاقة ببيئة المدينة، حتى على المستوى التوعوي.

فالبيئة تحظى بنصيب كبير من المشاريع التطويرية، تشمل: تطوير المناطق الطبيعية المجاورة للعمران، عبر الحفاظ على مقومات بيئتها الطبيعية، وحمايتها من الأضرار الناجمة عن الاستعمالات غير المناسبة، وإعادة تأهيلها، وتطوير استعمالات حضرية تخدم عمران المدينة.

ومن أمثلة هذه البرامج، تطوير متنزه الثمامة، وتطوير وادي حنيفة، الذي حوّل الجوار العمراني المحيط به على امتداد عشرات الكيلومترات، إلى مناطق مفضلة للاستثمار العقاري.

وكذلك تطوير المناطق المفتوحة ضمن النسيج العمراني، حيث اعتمدت الهيئة التنظيمات الكافية لتوفير المناطق المفتوحة والمتنزهات ضمن أحياء المدينة، بما في ذلك الاستعمالات الصناعية والتجارية، وتنفيذ مشاريع تطويرية لاستكمال متطلبات أحياء المدينة القائمة من المرافق السكنية، وخصوصاً في منطقة وسط المدينة، التي توفرت على ساحات وميادين عالية التجهيز، كميادين منطقة قصر الحكم، وتوفرت لها الحدائق المركزية القادرة على خدمة العديد من أحياء وسط المدينة وغيرها، كمتنزه سلام، وحدائق مركز الملك عبدالعزيز التاريخي.

هوية عمرانية مستديمة

وتوظّف الهيئة، جميع مشاريع التطوير الحضري المعتمدة، لتحقيق أكبر قدر ممكن من توفير المناطق المفتوحة وحماية البيئة، حيث اعتمدت في تنفيذ توجهات الدولة بتطوير منطقة قصر الحكم، وتأسيس مقرات مؤسسات الدولة في المنطقة، تنفيذ أكبر قدر ممكن من الميادين وممرات المشاة، والمناطق المفتوحة.

كما اعتمدت في تصميم مركز الملك عبدالعزيز التاريخي، أن يكون بيئة خضراء مفتوحة تستوعب ضمن نطاقها المنشآت الوظيفية للمؤسسات القائمة في المركز.

ولا يقتصر ذلك على المنشآت العمرانية، وإنما يشمل الطرق، فالجزء الذي كلفت الهيئة بتنفيذه من طريق الملك فهد، والذي يمر عبر وسط المدينة، تعلو تقاطعاته 12 حديقة، ويطوّق أكتاف خدمته نسيج أخضر ممتد من عشرات الآلاف من الأشجار، وبنفس النهج يتم تطوير طريق الملك عبدالله، لتوفر مسطحات أنفاقه مساحات خضراء، وحدائق متصلة، ومناطق مفتوحة في عصب المدينة المركزي، تقارب مساحتها 70 ألف متر مربع.

أما الهوية العمرانية، وتطبيق مبادئ العمارة المستديمة، فقد كانت عناصر أساسية في الرؤية المستقبلية لمدينة الرياض، التي وردت في المخطط، والتي نصت على أن يكون عمران المدينة متناسباً مع البيئة الصحراوية للمدينة، ومحققاً لمبادئ الاستدامة، في الوقت الذي أكدّت فيه على جمالية عمران المدينة، وتعبيره عن روح العمارة الإسلامية، وخصوصية القيم الثقافية لمجتمع المدينة.

فقد شكّلت هذه التوجهات، محددّات أساسية في إنشاء جميع المشاريع التي اعتمدتها الهيئة وتولت تصميمها وتنفيذها، عبر منهجية لا تقتصر على مجرد الاقتباس من العناصر المعمارية التراثية في المباني الحديثة، بل تتعداه إلى مفهوم يقوم على التجانس الكبير بين الوظيفة، والخصائص الاجتماعية، ومتطلبات مراعاة خصائص السكان في عمارة المنشآت وتخطيطها وتصميم مبانيها وتنفيذ منشآتها.

جودة التصميم والإنشاء = جودة الوظيفة

لذا حرصت الهيئة على توظيف توليها مهمة تصميم مقرات بعض مؤسسات الدولة والمؤسسات العامة، والدولية، على تضمين هذه المفاهيم ضمن هذه المنشآت، فقامت الهيئة بتصميم عشرات المقرات العامة لمؤسسات حكومية ودولية وعامة، تختلف في طبيعة منشآتها، ووظائفها المعمارية، بحيث طبقّت في جميعها مفاهيم متقدمة في الاستدامة العمرانية، والتي تقوم على عناصر: جودة التصميم، وجودة الإنشاء، وهي جميعاً تترجم إلى جودة الوظيفة، واستدامة في قدرة المنشآت على خدمة المستفيدين منها لفترات طويلة.

إن جانباً من مفاهيم الاستدامة التي سعت الهيئة إلى تطبيقها، يكمّن في العناية بالدور الحضري للمباني الخاصة، إذ لا يقتصر دور هذه المنشآت على خدمة المؤسسات المالكة لها، بل ينبغي أن تقدم هذه المباني خدمات حضرية للجوار العمراني المحيط بها، ومثل هذه العلاقة التبادلية بين الوظيفة الخاصة والعامة للعمران، تجعل هذه المنشآت، محل تقدير العامة والخاصة، وبالتالي محل عنايتهم بها، وتسهم في الارتقاء بالاستعمالات الحضرية في جوارها بما يعود عليها بالاستدامة الوظيفية.

ويمثّل مقر المحكمة العامة بالرياض، ومقرات المؤسسات القائمة في مركز الملك عبدالعزيز التاريخي، ومنشآت حي السفارات، والتوسعة الحديثة لمكتبة الملك فهد الوطنية،أنموذجاًلإسهام العمران الوظيفي في خدمة الوظائف الحضرية العامة .