كلمة العدد

يمثل تراث الأمم أحد منجزاتها الحضارية، وأداتها لتشكيل الهوية الحقيقية للمجتمع، ونافذة للتعريف بثقافته وحضارته، كما أن العناية بالتراث والمحافظة عليه، له أبعاده الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية، التي يمتد تأثيرها للأجيال المقبلة.

ومن هذا المنطلق، عملت الهيئة على إحداث نقلة نوعية في مفهوم التعامل مع التراث المحلي، تخرج من النمط التقليدي، إلى نظرة أشمل وأعمق، ترى في التراث منجزاً حضارياً فاعلاً، يساهم ليس في صياغة الحاضر فقط، بل في استشراف المستقبل أيضاً.

فإلى جانب دور التراث في إبراز المكانة السياسية للرياض كعاصمة البلاد، فإنّ الحفاظ عليه يحقق جانباً مهماً من متطلبات التطوير الحضري، من خلال ترسيخه لعنصر الهوية العمرانية للمدينة، عبر إبراز جماليات هذه الهوية، إضافة إلى دور التراث في دعم التنمية الثقافية والاجتماعية.

وقد أخذت عناية الهيئة بالتراث، صوراً متعددة، غير أنه يمكن حصرها في محورين أساسيَّين، تمثل الأول في تضمين متطلبات تنمية العمارة التراثية للمدينة في جميع برامج التطوير التي تقوم عليها الهيئة في إطار معاصر، مثلما جرى في المنطقة المركزية في حي السفارات، وإسكان منسوبي وزارة الخارجية، ومشاريع المساجد التي أنشأتها الهيئة، ومقار المحكمة العامة والمحكمة الجزائية.

أما المسار الثاني، فخصصت ضمنه الهيئة، برامج تطوير تعنى بالتنمية التراثية في المدينة، توزعت ما بين الدراسات والأبحاث، والمسوحات الميدانية للجوانب التراثية، ووضع التنظيمات الحضرية الكفيلة بالحفاظ على المنشآت التراثية ونسيجها العام في المدينة.

وفي هذا الإطار، طورت الهيئة صيغاً حديثة من العمارة التراثية، استحدثت بموجبها أنشطة وظيفية للمنشآت التراثية، عبر تحويلها إلى متاحف مفتوحة، مثلما جرى في قصر المصمك، وقصر المربع، وقصور الدرعية التاريخية، إضافة إلى إنشاء نماذج من العمارة التراثية الحديثة في إطار معاصر، وهو ما تجسد في مسجد المدي في مركز الملك عبدالعزيز التاريخي الذي تمّ بناؤه باستخدام الطوب الطيني المضغوط، في الوقت الذي تعمل فيه على تأسيس معهد للبناء بالطين في الدرعية التاريخية، والإعداد لإنشاء معاهد للحرف التقليدية، وعقد الدورات التطبيقية في هذا المجال.

وفي السياق ذاته، تشكّل برامج التطوير الحضري التراثي، أحد صور عناية الهيئة بالتنمية التراثية في المدينة، حيث نفذت الهيئة مجموعة من برامج التطوير الحضري الاستراتيجي ذات الطبيعة التراثية والقيمة الوطنية العالية في المدينة، كبرنامج تطوير منطقة قصر الحكم، ومركز الملك عبدالعزيز التاريخي، وبرنامج تطوير الدرعية التاريخية، وبرنامج تطوير حي الدحو.

عبد اللطيف بن عبد الملك آل الشيخ
عضـو الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض
رئيس مركز المشاريع والتخطيط بالهيئة